فدل هذين الحديثين على أن حلق بعض الشعر ليس بمحظور ولا فدية فيه ؛ لأن الشعر الذي أزاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل الحجامة قليل بالنسبة لبقية الشعر، ولم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه افتدى.
وإلى هذا ذهب الإمام مالك رحمه الله (1) ، وهو الصواب .
وأما ما ذهب إليه بعض العلماء من أن من حلق شعرة فعليه إطعام مسكين، وشعرتين فإطعام مسكينين ، وثلاث شعرات فعليه دم (2) . فهو ضعيف؛ لأن هذا لا يسمى حلقًا.
ومع ذلك فإن حلق بعض الشعر للمحرم لا يحل ؛ لأن امتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه (3) .
المطلب الثالث: ألحق جمهور العلماء بحلق شعر الرأس أمران:
الأول: حلق شعر بقية البدن ، بجامع الترفّه في كل منهما (4) .
ولقوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } [الحج: 29] .
فإن المراد بالتفث قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظفار، كما فسره بذلك ابن عباس وعطاء ومجاهد ومحمد بن كعب (5) .
قال الشنقيطي رحمه الله:"ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرنا ، كلام أهل اللغة على أن المراد بالتفث ما كان نحو قص الأظفار والشارب وحلق العانة وغير ذلك ، كما نقل ذلك الجوهري في"صحاحه"، وصاحب القاموس، وصاحب اللسان ، والزجاج والفراء وغيرهم" (6) .
ومنع ذلك ابن حزم والظاهرية ورأوا أن المحظور هو حلق شعر الرأس فقط، وأما حلق شعر بقية البدن فليس بمحظور ، ولا يصح قياسه على حلق شعر الرأس (7) .
(1) …"فتح القدير"2/145 .
…قال في"الإنصاف"3/456:"ووجه في الفروع احتمالًا لا يجب الدم إلا فيما يماط به الأذى".
(2) …"الإنصاف"3/456 ، و"المجموع"7/372 .
(3) …"الإنصاف"3/461 .
(4) …"المغني"5/145 .
(5) … انظر:"تفسير الطبري"18/612- 613 ، و"الدر المنثور"للسيوطي 4/642.
(6) …"أضواء البيان"5/404 .
(7) …"المحلى"7/246 .