بدأ قيظ الظهيرة يدنو من حجارة الجامع، ويدخل عبر الأبواب والأنفاس، لكنّ الشيخ لم يشعر بالوقت الذي يمضي. قال لنفسه: مع ذلك لابدّ من التفكير. قال: إنّ ما حدث كان طبيعيًا، ومقبولًا أيضًا، فقد خطبت نساء فاضلات من هم أعظم منه وأعرق في الدين والإيمان، والمرأة ناضجة، ومتفهمة لدورها في الحياة، وراغبة عن قناعة ووعي، ولقد اختارت، وما أحسب أن أحدًا يستطيع القول أنّها سلكت سلوكًا غير لائق، وربما كان من حقّي أنا الآخر أن أكون موضع اختيار، وقد أتاحت لي فرصة كنت أفتقدها لأكون جديرًا بهذا الاختيار. لقد أعادت حقًّا كان في طريقه إلى الضياع.
على مائدة الطعام راح يتأمل (فطمة) ، المرأة التي لم يعرف سواها. رفيقة الدرب التي حملها إليه والداه، منذ زمن يتجاوز عمر صبي يقترب من سنّ البلوغ. إنّها هي هي منذ عرفها. بسيطة، نظيفة، صامتة، موجودة في كلّ مكان، حاضرة في كلّ وقت، لا تألو جهدًا في سبيل راحته. إنّها الزوجة المثالية، لكنّها شجرة لا تثمر في حديقة أشجارها محمّلة بالثمار. زهرة لا أريج لها. سماء لا تمطر. أرض لا تعرف الخصب..
أحسّت (فطمة) أنّ بعلها يعاني من شيء ما. بدا لها حزينًا، كئيبًا، فاقتربت منه، وهمست:
-ماذا بك.. يا سيدي؟..
-لا شيء يا فطمة.. لا شيء..
أجاب بسرعة، وصوت المرأة الأخرى يغوص داخل جلبابه، ويلامس ما سكن في أعماقه. كرر وهو يغادر المائدة:
-خير يا فطمة، خير إن شاء الله.