أغفى الشيخ في مكان قيلولته المعتاد، قرب نافذة تطلّ على باحة الجامع. رأى فطمة في منامه جاثية قرب قدميه. كان وجهها شاحبًا، وعيناها جافتين، وشعرها مبعثرًا، وشاهد إحدى قدميه ترتفع وتدفع بها بعيدًا، لتتقدم المرأة الثانية. وجهها مضيء، وعيناها منارتان، وشعرها قطعة من ليل أسود يتخلله ضياء القمر.. مدّ يده باتجاهها، فناولته طفلًا صغيرًا جميلًا، ابتسم له، وناداه بكلمة (بابا) ، فسرّ الشيخ.. حمل الغلام وطار، حلّق في السماء، خال نفسه طائرًا يأخذ به جناحاه إلى فضاء رحب فسيح مغمور بالألوان والأضواء.. استيقظ وفطمة تهدهده، وتربت على أماكن من جسده. في عينيها رأى خوفًا عظيمًا، وعلى قسماتها رأى ألمًا فاجعًا، فاستوى في سريره:
-ماذا هناك يا.. فطمة؟..
-كنت تصرخ يا سيدي..
-أصرخ؟ محال. كان حلمًا جميلًا.
-اللهم إنّي أقول الصدق..
سوّى نفسه، وهو يتجنّب النظر إلى وجهها. بدأ يحسّ بالذنب مقابل حنانها الدافق. لقد دفعها بإحدى قدميه، وهذا ما لا يمكن أن يغفره، حتى ولو كان في أثناء الغفلة. فطمة رغم كلّ شيء لا تستحق الإهانة. لا يمكن أن يفكّر بإذلالها أو الإساءة إليها، فالإنجاب ليس في مقدورها كأنثى، ولا ذنب لها فيه، وتلك مشيئة الله، وهذا لا يمنعه أيضًا من المطالبة بحق الأبوة، فهو رجل يحتاج إلى ما يتمتع به الرجال في النساء والأولاد وأمور الحياة الأخرى التي لا تتنافى مع الشرائع والأعراف، وحاجته إلى طفل لا تستطيع فطمة إنجابه، تسمح وتتيح له التفكير في زوجة ولود، مع المحافظة على حقوق فطمة وكرامتها، وهذا ما سيفعله.
قصد ركنه في الجامع، بعد أن أدّى واجباته المعتادة، وكما توقّع، كانت المرأة جالسة في المكان الأقرب من ركنه. ابتسم، وحيّاها، ثمّ جلس. سمع صوتها الواثق المطمئن:
-أحسب أنك توافقني على ما جئت من أجله..
وجد نفسه يجيب:
-أجل..
تابعت:
-على بركة الله..