جاء الزعيم بلباس العرس، وحملتها الفتيات المعطرات. تخيّلت (سكران) وهي تعد شراب الليلة الأخيرة للعذراء. كان يمكن أن تملأ الوعاء الزجاجي بالحبّ. بعطور لا تتقن صناعتها غجرية أخرى. كان يمكن أن تجمع قطرات الندى من فجوات الصخور النظيفة، وتعتصر رحيق أزهار التلال ذات الأريج المسكر والمذاق اللذيذ، لكن (عزو) هو حامي المضارب. رأس الغجر، إليه يرجعون، يطيعون ، يفعلون ما يأمر به، لكنّه ليس رجلها الذي ستبادله الحب. إنّه رمز غجريتها. قوتها. الرجل الذي يتبعه الغجر، والحبّ إحساس. انعتاق من كل شيء.. الغاء لكل القيود.. (الزعيم) هو الغجر.. (عزّو) ليس الحبّ..
أخرجت قارورة صغيرة... سكبت قطرات منها في الشراب الملّوّن، وجاء الزعيم بلباس العرس. رأته مهيبًا.. شامخًا كأوتاد الخيام، قويًا كيوم الصحراء، عندما قتل رجلًا انفرد بها بعيدًا عن المضارب. اقتربت منه، وأخذت يده. قبلتها، ومرّغت وجهها بدفئها، كما تفعل الغجريات، وقدّمت له شراب العرس..
بعد أن اطمأنت إلى سكونه، غادرت المخدع إلى العراء.. تسنمت ذروة تطلّ على السهول. راحت تحلم بعينين مضيئتين كقمرين، يخترقان ظلمة السهول والجبل كشهابين، يبحثان عنها، وكانت على ما يشبه اليقين، من أن الحب لا يغلب، وليس كالحبّ في حياة الغجرية.. إنّه السعادة الوحيدة، التي تنالها الأنثى، بحريّة البراري، ولهذا تحتمل كل شيء، في سبيل الجنة الموعودة
انتضت (عنودا) خنجرها الفضي.. جاء دورها الآن، لتكون ملكة الغجريات في بلاد العرب. التمع الخنجر لحظة. سطعت أضواء مجهولة فتوهّج النصل وهو يهوي باتجاه الصدر المشرع لنسيمات الليل، وماتت روض.. وكان (سكران) ما يزال نائمًا. بكارة السهول الغافية، شراع محمّل بحرارة جسده الغارق في السكون. تجمّع حوله قراصنة الغجر. أخذته أنياب ومخالب قبل أن تشرق الشمس وتتساقط أشعتها فوق بقاياه التي تناثرت بين الأرض الساحلية والجبال العالية..