فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 47

يعود (سكران) المغامر الغجري.. عربته مهرة جموح، تمتطي صهوة تضاريس المدن البعيدة، وروض بعيدة. أبعد من جميع المدن، تنسدل ضفائرها لتحجب آفاق العالم عن العينين الغائصتين في تربة الأرض الساحلية، والرابية التي تغازل مويجات البحر، تمدّ ذراعيها لسكران.. ترحل العينان خلف النوارس اللاهية، وأسراب الأسماك العابثة. تملأ روض إطار المشهد. تمدّ ذراعيها نحو الرجل الوحيد. تبدو حزينة وحيدة هي الأخرى. يرى (سكران) الذراعين كجناحي طائر أنهكه الطيران.. ينتفض وغريمه يصطاد الطائر الوحيد المتعب. أيّها الغجري القذر.. كيف تنسى الروح جسدها؟. كيف ينسى القمر أحضان السماء؟ يتحوّل (سكران) إلى ذراعين، وأشعة الشمس الغاربة، تنسكب حزنًا فوق التضاريس. يدير محرك سيارته وينطلق نحو السهول.. تتساقط نظراته بوهن فوق المرئيات والأماكن، والبراري تنصت بشغف، إلى الصوت الحزين. تمتلىء أفواه البراري بالأغاني. تنسدل ستائر رمادية، وتغمر الظلال ملامح السهل. يسمع صوت روض:

-سأذهب معك.. إلى آخر العالم...

يتحوّل حلمه عبر الأيام، إلى حقائق تزرع السعادة في جبين الأيام. هوذا البيت الصغير الجميل، وروض الحبيبة الغالية، وسيأتي الأطفال العصافير، وليذهب الغجر وسكان المدن إلى جهنم، تضطرب المرئيات، وتصطدم أمواج البحر بأطراف الجبال، ويغرق السهل الفسيح في الظلام. ليكن أيّها الغجري.. سنعيد الحكاية القديمة. لتكن روض، الأنثى التي اقتتل بسببها قابيل وهابيل، وليذهب كلّ شيء إلى جهنّم..

تسكن العربة، وبداخلها يغفو (سكران) ، لكنه لم يكن متعبًا، ولم يكن ليعترف بالهزيمة، فمثله لا يهزم..

أغفت (روض) وهي تنتظر الغائب. هو سيأتي دون شك، ولن تكون لرجل غيره. قبل ذلك نبتت في جسد (عنودا) عشرات الأفاعي اللامعة، وغرقت وجوه حسينو وفليفل وهبور في مستنقع من النار، على الرغم من النسيم الجبلي الذي احتل ساحة المضارب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت