فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 47

راحا يدخنان بسكينة، والسيارة تعبر الأرض البور، وتلغي المسافة بين الغجريين، ولم يفعل (عزو) شيئًا، ولم يقل شيئًا، لتكن (روض) هي الحكم: _ لا تكن أنانيًا يا رجل... تندفع المهرة المتعبة في رحلة العودة، وعلى ظهرها يحسّ (الزعيم) بالتعب، لكنه مع ذلك، لم يستسلم. لن يقبل هزيمة من رجل. ما زالت غجريته تنبض في أعماقه، وفي التعاليم التي يخترقها كلما وقفت أمام إنسانيته، أو مايلبي طموحاته ورغباته. يشحنه صوت أبيه العتيق بالقوة، وهو ينساب في الظلمة الخفيفة (( لا تستوطن أرضًا، فستجد من يحاول اغتصاب ما تملك ولا تنس أن العالم كلّه وطنك. ) )فليكن. سيعود إلى جذوره، وما يهمه الآن، أن يمتثل لهذا الأمر التاريخي، ففيه الخلاص من عذاب لا يرى له نهاية، وفيه وسيلة الانقاذ التي لا تضارعها وسيلة..

ترك المهرة لتنال قسطًا من الراحة، وأوقد المصابيح في الساحة الكبيرة، ليتوهّج الحي الذي كان يستعدّ لسكينة الليل، ثم جاء الطبالون هبور وحسينو وفليفل، وتوسّطت الراقصة (عنودا) تساؤلات الجميع، وصوت (عزو) يتعالى:

-ياغجر.. لنودّع الأرض الساحلية.. لنرقص ونغنِ ونفرح حتى الفجر، ثم نرحل لنستقبل الصيف على قمم الجبال..

خرجت الفتيات وتشابكت أيديهن بأيدي الرجال، وانفجرت الساحة ومضارب فليفل وهبور وحسينو تنهال على وجوه الجلود المشدودة، ورنّت خلاخل عنودا، وجسدها يهتزّ ويرتفع، وأضواء المصابيح تهطل ألوانًا فوقها وحولها فتبدو كأنها تشتعل...

ابتعد الليل نحو السهول، والأرض الساحلية تسفر عن وجهها، وتلقي بنظراتها الناعسة، خلف الركب الذي انتزع مضاربه وحمل راياته، وقد تناثر أفراده، كقطيع يسوقه عشرات الرعاة....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت