تغادر الخطوات الواهنة، حدود الساحل الساكن. تنسكب أشعة الشمس الغاربة حزنًا على رؤوس الأوتاد، ومداخل المضارب. تعبر الوجوه النحاسية. تتوامض في العيون أسئلة حيرى. يحسّ (الزعيم) بألم عميق. يمتطي صهوة مهرته وينطلق نحو السهول. تتساقط نظراته فوق معدن سيارة (سكران) . يخالها غازيًا دخيلًا يدنّس تراب الوطن، وهو الفارس المقهور. تفتح البراري صدرها الواسع، للرجل المجروح، وصدره يحنو على الصهوة التي تحمل همومه وأشواقه. يتصاعد صوته في الفضاء الأثيري، يغني بإحساس طفل ظمآن.. خائف، فتمتلىء أفواه البراري بالأغاني. تكبر (روض) كزهرة بريّة.
تخز أنامله أشواك الغابة. ينزع العوسج والدريس. النباتات الطفيلية، يقدّ وعورة التربة. مهاد زهرته. يجمع قناديل الليل لتضيء أحلامها. يروي تويجها وساقها وجذورها بندى الأيام الجميلة. يقطف لها نجوم السماء. يهتف للزهرة الفاتنة (أحبك) .. تكبر (روض) . العشق الذي لا يعرفه الغجر. تهرب قدماها من قسوة الدروب والترحال، لتمتطي صهوة مهرته: - أتذكرين؟.. يرى المهرة، كعاشقة، تثب حتى لتكاد تطير. يسمع صوت تنفسها: - آه لو تدركين.. اصطاد رجلًا امتدت نظراته ويداه إلى (روض) ، ووارى بقاياه في الصحراء. صارع جميع الرجال وأخضع المضارب من أجل عيني (روض) . خالف تعاليم الغجر، وأحبّ كما لم يحب غجري قال له أبوه قبل أن يموت:
(( حياتنا، هي حياة الحرية التي يحلم بها الإنسان، منذ وجد الإنسان..
والفرح.. الفرح النادر العظيم، هو إرث الغجر الأبدي
اترك كل ما يتعارض مع هاتين الثروتين.. الخالدتين....
لا تحب كالأطفال، فتقيّد حريتك وحرية من تحبّ بغبائك، وتصادفك متاعب لا قدرة لك على مواجهتها، فلم يخلق الغجري للصراع..
لا تستوطن أرضًا.. فستجد من يحاول اغتصاب ما تملك..
ولا تنسّ.. أن العالم كلّه وطنك... )) ..