فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 47

كانا.. يبحثان عن إحساس بالاطمئنان لا أكثر، وهما مازالا يعيشان رغم الزحام والزمن والشمس الحارقة.

تبادلا النظرات بحنان. ابتسما كما في الماضي، ثم افترقا وضاعا.. في الزحام..

4-حادثة:

.. استمرّ الزحام على أشدّه. الأقدام تدفع الأقدام وكذلك المناكب. الوجوه بملامحها المشدودة والأيدي بأحمالها. لا شيء حدث. حتى الرجل الذي يتوسّط الشارع بزيّه الرسمي لم يأبه لما حدث. أغلق معبر المشاة وفتح صنبور الحديد، لتتدافع السيارات الكبيرة والصغيرة. الدراجات وعربات النجدة والإطفاء، وكانت الشمس تصبّ سيلًا من اللهب فوق كلّ شيء.

منذ لحظات حمل همومه. الألم يقبض على أعضائه كأخطبوط، من قمّة الرأس إلى أسفل القدمين، جسده لم يعد كما كان ولا يمكن أن يعود كما كان. الزمن يفتت الصخور. يغتال الأيام، ولا يترك الجسد إلا رمّة تبحث عن مأوى. راقب حركة الشارع: رؤوس تنوس في الفراغ، مدى من الصفيح والزجاج والقار وسماء تنزّ نارًا.

خلال ثوانٍ انتهى الزمن. حاول تلمّس رأسه. لم يعد يشعر بألم. غامت نظراته. انحنت ساقاه وجذعه واحتضنت وجهه حرارة الطريق.

استمرّ الزحام شديدًا. كثيرون تتعثّر أقدامهم. كثيرون يصابون بالإغماء وكثيرون يموتون جوعًا ومرضًا وقهرًا كلّ يوم، وتستمرّ الأقدام والمناكب والرؤوس، والأيدي التي تحمل والأيدي الفارغة، ويتابع صنبور الحديد جريانه.

أشرق وجه الطفل. الصبي. الفتى:

-إنّه.. أبي.

تقدّم خطوة فخطوة. يداه تسبقانه كجناحين واللهفة عصافير تغادر عينيه. حسب أنّ في مقدوره اجتياز المسافة التي تفصله عن أبيه، وعندما أصبح عند تخوم الخطِّ الفاصل بين الحياة والجانب الآخر، انتفض كعصفور أصابته طلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت