ارتعشت أجفان الفتى ولامست عيناه نظرات الرجل الحانية:
-أنا.. أبحث عن أبي
تطايرت عيون الاثنين وحلّقت فوق الوجوه والثياب والتضاريس. كيف يمكن رؤية إبرة في جبل من القش أو مجرى ماء متدفق؟.
هكذا فكر الرجل وتمنّى أن يملك لهفة الصبي وحماسته.
3-ذاك الوهج:
(( أستغفر الله العظيم ) )
يخفق قلب الرجل، وتشعّ المرئيات من حوله. شيء ما بعمر الثواني وأكبر من الزمن. أرقّ من الأزهار وأقوى من الأعاصير، يعود إلى ذاكرته. يتجمّع في صدره وينبض فرحًا ينتشر في أعضائه. يعيد إليه ذكريات الألوان الزاهية، والخصل الناعمة كالحرير، والماضي والنظرات المتعثرة والخفقات الأولى..
إنّه الحبّ، هدهد قلب العجوز فتنفّس الأفق، وراحت أغنيات الصبا تبرعم فوق شفتيه. (( لاشيء ينتهي. ثمة شيء واحد تقصمه النهاية هو الزمن الخاوي. الأيام الشاحبة. أما الزمن الحافل بالأحلام، والأغنيات والأحاسيس الثرية، فهو لا ينتهي. يظلّ شابًا دافئًا غنيًا بالحياة ) ).
ابتسم لأفكاره. أحسّ بحبّ لملامحه الناحلة. لخطواته التي ما عادت تتحدّى الصخور والعوائق: (( لا.. لا تموت الأحاسيس بتأثير الزمن ) )كان الوجه الآخر يبتسم. رأى حبًّا قديمًا ما يزال مشرقًا نضرًا والمرأة التي تنتسب إلى عالمه تبتسم. تقاربا. ابتعدت الفصول والأيام الشاحبة والزحام، ثم سارا معًا. لا شيء تغيّر أبدًا، لا شيء.. حتى الخوف من الآخرين ما زال موجودًا. شيء واحد يدركان أنّ الزمن لم يتركه كما كان، وهو أنّ الآخرين لا يمكن أن ينتبهوا إلى ما يحدث، وأنّ الوجهين القديمين، ما زالا يعيشان ذلك الوهج الذي يبثّه الحبّ في الأعماق على الرغم من الزمن. سألته:
-كيف حالك"."
تصبّب عرقًا وتلعْثم. أحسّ أنّه يعود القهقرى إلى زمن بعيد. إلى عشرين. ثلاثين سنة مضت وربّما أكثر. ودّ لو يقول لها: إنني أشعر بالوحدة والفراغ والليالي طويلة طويلة لكنّه أجاب:
-لابأس.