فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 47

ألقى رجل- يحمل علبة بيضاء وعددًا من أرغفة الخبز- نظرات عابرة باتجاه الجثّة، ثم غضّ بصره وتابع سيره. فعلت امرأة - تحمل سلّة وهي تميل تحت ثقلها- ما فعله الرجل. ظهر الذعر في نظراتها ونصل لونها، لكنّها تمالكت نفسها وحوّلت وجهها إلى الجانب الآخر متابعة سيرها.

وقف طفلان على مقربة من الجثّة. قال الأكبر:

-إنّه.. نائم.

قال الثاني:

-قد يكون.. ميتًا.

تبادلا النظرات. فتاة صغيرة اقتربت منهما. قالت:

-إنّه... رجل.

-بالتأكيد هو ليس امرأة.. قال الكبير.

قال الصبي الصغير:

-أنا لا أعرفه.

قال الكبير:

-هو ليس من حيّنا.

قالت الفتاة:

-ما الذي جاء به إلى هنا؟.

أجاب الكبير وهو يأخذ بيد الصغير هامًّا بالمسير:

-قدماه.

ابتعد الأطفال- عيونهم لا تودّ أن تغادر مكان الجثّة- وابتلعهم أحد الأزقّة.

دنت الهرة السوداء من الرجل الملقى على الأرض. تحسست البصل والبندورة والخيار. تريثت عند أرغفة الخبز. أخذت رغيفًا ثم ولّت هاربة.

تدافع الكلبان الرماديان وأحاطا بالجثّة. تشمما الرأس، الثياب، القدمين. الحقيبة الجلدية والمواد المبعثرة. ألقيا نظرات كسلى وغادرا المكان يتبع أحدهما الآخر، وكانت الشمس تتابع صعودها في الفضاء.

امتلأ الطريق بالناس: مخلوقات بمختلف الألبسة والأزياء. عربات. دراجات. سيارات تطلق دخانًا أسود وتثير الغبار، والشمس تنفث أشعتها وتنثرها في كلّ الأرجاء.

تململت الجثة. التفت الكلبان الرماديان وتحفزّت الهرّة للوثوب وظلّ الشارع على ما هو عليه. انتصب الرجل واقفًا. نفض ما علق بثيابه من أوشاب. جمع حاجاته وأرسل نظراته في رحلة وسار.

راحت الشمس تلتصق بوجهه وعينيه الحزينتين، وتتخلل ثيابه وما تحمل يداه، وكان يردد:

حمدًا لله على كلّ حال..

2-الزحام:

على الرصيف رجل كبير وطفل وزحام شديد وشمس من نار. توقّف الطفل متعبًا وعيناه تسبقان أنفاسه. دنا الرجل من الصبي وربت على كتفه. قال له:

-لماذا تسرع يا بني؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت