فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 47

يدير العجوز ظهره، ويسير بخطا وئيدة، وعندما يتحوّل الصبي إلى نقطة سوداء صغيرة، يلتفت العجوز. يرنو بعينين تتفجران بالدموع. يمسح عبراته. تتدانى الأصداء البعيدة:"البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الشهادة أو النصر"تحمحم الخيول. تهزج السنابك، وتشدو السيوف، ينفتح المدى على اتساعه. تغادر نظرات العجوز الأديم. ترتفع قليلًا قليلًا. يتلوّن الوجه القديم. يبدو كقمّة مضاءة في الفراغ الرحب، وحول الوجه المضاء، وعلى أطراف الأفق، يتوهّج لون السماء، بينما الشمس تساقط أشعتّها، فوق الجسد المنتصب، فيمتدّ ظلّه ليغمر المسافات، إلى الغرب من مكانه، وكانت أصوات الاحتفال تخبو وتتلاشى، وكأنّها آتية من عالم آخر، أو هي بقايا حلم فاجأه لون النهار وإشعاعاته..

أحزان تحت الشمس

1-الجثّة:

تساقطت أشعة الشمس ذرات ملوّنة، وغمرت المكان. ظهرت هرّة سوداء، لحق بها كلبان رماديان ينفضان عن جسديهما ما علق بهما. رفرف عصفور منطلقًا من شجرة قصيرة الجذع وطار مبتعدًا.

تجمعت الأشعّة فوق جثّة، أضاءت أزرار السترة. تفتّحت ألوان الثياب. التمع الأسود وتماهى باللون الأحمر والأصفر ممتدًّا كأفعى. عند القدمين استقرّت ربطة أرغفة من الخبز، وحزمة من البصل الأخضر، ومجموعة من حبيبات البندورة والخيار. قرب الرأس ارتمت إحدى اليدين بينما اليد الأخرى تقبض على مقبض حقيبة جلدية عتيقة. على خطوات من الجثّة، ضاق طريق ترابي، على جانبيه بيوت مختلفة الأشكال والألوان والنوافذ.

ارتفعت الشمس قليلًا. تخللت الوجه. القدمين. الثياب. الحقيبة الجلدية وكومة الخضار. وتابعت سيرها في السماء. تعالى صوت أحد الباعة. أشرعت نوافذ. فتح الطريق صدره لرجال ونساء وأطفال. الوجوه كابية والعيون نصف مغمضة، والأيدي تقبض على أشياء وأشياء. فاحت في المكان روائح الخبز الساخن والحليب. الشمس تتابع سيرها، والوجوه تنضح بالاهتمام والتعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت