فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 47

إنّهم يبحثون عن نهاية أعظم إيلامًا. لم أبك من أجل الطيور والحقول والفراشات وأزهار الأقحوان وشقائق النعمان. حزنت. نعم كان حزني عظيمًا عندما نفقت أغنيات الرعاة، وانطفأ ضوء القمر، وتشوّه وجه الأرض الخصبة، لكنّي لم أبك أبدًا... ستعود الطيور والفراشات، عندما تزهر الحقول والحدائق، وتختال سنابل القمح الشقراء، على مساحة المدى المغسول بالأشعة، أمّا الآن، حتى وهم يحتفلون يفكّرون بنهاية أشدّ إيلامًا، لعجوز لم يهزم منذ (ذي قار) :

-بم تفكّر؟

أدرت وجهي، فأصطدم بالضجيج والدوي والانفجارات:

-إنّي أفكّر بالاحتفال يا بني.

طار جسد الصبي في الهواء، فرحًا:

-إنهم مقبلون، وعليك أن تكون في المقدّمة.

المقدّمة للرايات والبنود والسيوف، لمن تضيق بهم حفائر الأرض. لشمس أخرى وعشاق آخرين وكون آخر، ولزمان لم يحن بعد:

-أنتظر عودتك نظيفًا، مزهوًا وسعيدًا، فالمكواكب ستعبر من هنا، ويجب أن نكون في المقدّمة.

يتطاير وأطرافه ترقص، فأستعيد مشاهد أجساد مزقتها القنابل والألغام، وتناثرت أشلاؤها. أرفع يديّ. أغمر بهما وجهي. أسمع أصداء بعيدة، تقترب وتقترب. تلتصق بأذني، تضجُّ تطغى على الأصوات والأصداء، تركب المدى خيول لأعدّ لها. يعلو صليل سيوف. تهتزّ الأرض تحت الحوافر. أرفع اليدين، فأشاهد الصبي يعدو باتجاه الضجيج والدوي والانفجارات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت