فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 47

-ولماذا لا تحضر؟ سيكون فرحًا لم تر الأرض مثله. قلت لنفسي"لا يهمّ عندما يعمّ الظلام يكتسح السهل والجبل والوادي"وقلت"والأمر كذلك عندما تشرق الشمس". أحسست بكرب: كيف سأحضر؟ قد أصدق أنّ القيامة قامت، وأنّ الشمس انطفأت ولن تظهر ثانية، لكنّي لا أصدق ما يحدث وقلت لنفسي أيضًا"لعلي خرفت أو أدمنت التشاؤم والحزن. ربما متّ وأنا لا أدري. لمن هذه القبور كلّها؟ هناك قبر يضمّ رفاتي دون شك، وهناك امرأة دفأى سكبت عبرات من أجلي وروت ظمأ الضريح، وهناك منزل سقط سقفه فوق جثّتي، أو خندق انطبقت ضفتاه لتحجبا عنّي النور والهواء وتكمّا أنفاسي".. سمعت صوت الصبي، يهيب بي:

-عليك أن تسرع. بدّل ثيابك الرثة، ونظّف نفسك جيدًا. إنّه احتفال لا نظير له.

راح الضجيج، يقترب ويبتعد، أشعر به يدّوم في رأسي، ويستبيح نبضي وداخلي، ويشتدّ الدويّ، وتتلاحق الانفجارات، ثم يهدأ الكون. تعبر لحظات سكون، خلسة، أصيخ السمع، وأتذكّر وجود الصبي:

-لماذا أحضر؟

بحدّة ونزق، يضرب الأرض بقدميه. يرفع يديه كمن يتنكّب راية، أو يحمل شيئًا ثقيلًا. ألمح في اليدين مسدسًا. خنجرًا، وقنابل:

-ستحضر وأنت صاغر..

أحسّ بالقهر والذلّ، وتجتاح جسدي روائح العبيد والمستضعفين:

-إنّهم يشفقون عليك، يتيحون لبناتك أن يعشن في طمأنينة تحت ظلال سيوفهم، فماذا تريد أكثر من ذلك؟

يكبر الصبي، يتعملق، في فمه /غليون/ مشتعل. عيناه تسكبان اللظى فوق ملامحي وهيئتي، وفي اليدين يلتمع نصل، وتئز رصاصات، والضجيج ينفجر من جديد:

-أنت عاجز عن المقاومة.

أمدّ نظراتي. أعجز عن تبين الآفاق:

-سأحضر. لابدّ من الحضور.

يقترب الصبي. يعود الزغب الأصهب إلى وجهه، ويبرز لون عينيه الداكن:

-كلّهم يقولون ذلك.

-كلّهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت