سيسخر منّي. أشرت بيدي إلى الشرق والغرب والشمال والجنوب. سيظنني معتوهًا دون شك. ابتسمت بمودّة:
-أنا... من هنا.
دار حول نفسه، وواجهني بطلعته:
-كيف لا تعرف أنّهم يقيمون فرحًا كبيرًا؟
-كيف لي أن أعرف، وقبور موتاهم لم يجف ترابها بعد؟..
يضحك الصبي، ويغرز نظراته في وجهي:
-وتقول أنّك من هنا. أيعقل ما تقول؟
-والله.. لقد صدقتك القول.
يهز رأسه مستغربًا:
-ولعلك لا تعلم أنّ رجالًا خطفوا عددًا من فتيات..
أقاطعه:
-بلى... انّي أذكر.
-هؤلاء الرجال سيتزوجون، فأهل الفتيات المخطوفات وافقوا على تزويج بناتهم للخاطفين.
أتذكر، أنّ غرباء ركبوا أيام الخوف وظلام الليالي. حرموا سماءنا من طيورها، وحقولنا ومغانينا من فراشاتنا، وزهورها، حتى أزهار الأقحوان وشقائق النعمان أبادوها، وكمّوا أفواه الرعاة. جمعوا أغانيهم في حقائب وزجاجات وباعوها. حجبوا ضوء القمر الذي كان ينير أماسينا، ومنعونا من مياه الينابيع والأنهار، أمّا أراضينا. أراضي جنّة عدن، فأكلتها المقابر والحفائر.
سأل الصبي:
-أنت حزين جدًا. هل اختطفت إحدى بناتك؟
ارتفع صوت الطبول، ربّما هو عزيف الجن، أو يشبه ما سيحدث عندما تقوم القيامة:
-كلّ المخطوفات.. بناتي.
-ستحضر الاحتفال في هذه الحال، فلماذا لا ترتدي ثيابًا جديدة وتحلق لحيتك؟ أنت لم تفعل ذلك منذ زمن.
أتذكّر أنّي كنت ثرثارًا مثله. سألت النساء لماذا يولولن ويندبن، أقعيت إلى جوار الشيوخ، استرق النظر إلى هيئاتهم، وأصيخ السمع إلى بسملاتهم وتكبيرهم، ومشيت خلف الجنائز والتوابيت، ووقفت على أنقاض المنازل، وغصت في أعماق الحفر والخنادق.
سألت الصبي:
-هل أحضر الاحتفال؟