فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 47

لم يعد علي يسمع كلام المحقق، وهو يتأمل الصور بمحبة. نسي نفسه لحظات، ثم ابتسم، وبعدئذ بدأ الألم. أخطبوط له عشرات الأيدي، تمتد وتعبث بخلايا جسده، تعيد سيرة والده، وتلقيه داخل حفرة في مكان مهجور، بين بيت المقدس وقرية سلوان..

بعد أيام، غادر (علي) منزله في الصباح الباكر، حاملًا ما استطاع من رزم الكتب والمجلدات، وعندما وصل إلى جوار السور راح يرتب ما يحمل، حسب الأحجام والألوان، وعندما انتهى جلس على مقعد خشبي، على خطوات من مدخل المسجد، يرد تحيات الداخلين والخارجين والعابرين، وكان الألم ما يزال يذكره بأن الحكاية ستستمر وتستمر، حتى يلحق بأبيه، أو يهجر السور القديم.. أو تتلاشى أضواء تلك الخارطة العجيبة.

الاحتفال

يفقد النهار ألوانه وإشعاعاته. تبدو السماء بعيدة. بعيدة، والأرض.. ربما، هو زلزال يضرب طبقاتها وأعماقها، ولعلّ الكون يلفظ أنفاسه.

أرمق الآفاق، بعينين تحترقان. أصرخ ملء فمي:

-أين أنت أيّها الصبي؟

كنتُ مثله عندما بدأت الحكاية، وبعدد أعوامه تمامًا، فرأيت نساء يبكين، وأطفالًا يفرون كالفئران، وشيوخًا يبسملون، ثم يكبرون ويركعون، ورأيت توابيت وجثثًا عارية غسلت على عجل، وبعضها لم يغسل، رأيت دموعًا تملأ أنهارًا وبحارًا، وسمعت بكاء وعويلًا وصراخًا، وسمعت أصواتًا كهزيم الرعد وقصف الصواعق، وشاهدت حرائق ودمارًا وسجونًا ومصحات ومشافي ومقابر وحفرًا، وحديدًا محروقًا، وأيدي ورؤوسًا مقطوعة، مبتورة، ورأيت وسمعت منذ كنت مثله، لكني لم أسمع ضجيجًا ودويًّا وانفجارات من قبل، كما أسمع الآن:

-ماذا هناك أيّها.. الصبي؟

اقترب حتى تبينت زغب وجهه الأصهب، ولون عينيه الداكن:

-إنّه الفرح أيّها العجوز، وهم يحتفلون

-أيّ فرح يا ولدي، ومن الذي يحتفل؟

ضحك الصبي. بدت أسنانه وقد صبغها التبغ بلونه، صفراء متنافرة ومتناثرة:

-ألست من هذه الديار؟

-أنا من كلّ هذه القرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت