استمر الآمر في التدخين، ثم جاء صوته ودودًا رقيقًا، وقد غمرت وجهه ابتسامة كبيرة:
* نحن نعلم أنك مواطن صالح، وتعيل أسرة كبيرة، والأعمال في (أورشاليم) قليلة، ولا تدر ما يكفي للعيش الكريم، فهل فكرت بعمل مناسب تعتاش منه"؟."
هز علي رأسه وأجاب:
* الأمور حسنة والحمد لله.
شد الآمر صدره وبسط يديه فوق المنضدة التي أمامه:
* نحن نكافىء مواطنينا الصالحين، وقد قررنا أن نسند إليك عملًا يكفل لك عيشًا سعيدًا، فلا تبقى في العراء، تحت المطر والشمس لقاء قروش معدودة.
بقي علي صامتًا. عرضوا على أبيه حانوتًا لبيع المواد المستوردة، فماذا سيعرضون عليه؟ ولماذا كل هذا الاهتمام، وهل من المعقول أن تهتم دولة بكائن قامت على أنقاض أجداده وبني قومه؟.
ظل صامتًا، والآخر يشرح له مهام عمله الجديد:
* كل ما عليك، أن ترافق السائحين. تأخذهم لزيارة الأماكن التاريخية والآثار القديمة، وستنال مكافأة جيدة، ستكون أجورك بالدولار..
لم يجد علي ما يقوله. كان يتمنى لو ينقض على وجه هذا الثعلب الذي يحاول إبعاده عن الأسوار، وهجر مهنة أبيه، وفي أعماقه تتنامى أمنية يعرف أنها لن تتحقق، وهي أن يكون نائمًا ويحلم، وأن يكون ما يحدث يحدث في حلم.
جاءه الصوت، أكثر رقة وودًا:
* العمل بانتظارك منذ الصباح.
وجد علي نفسه يسأل:
* وإذا رفضت؟.
سأل الآخر، باستغراب:
* ترفض؟.. ما أظن أنك تفعل. غبي من يرفض أن تصبح حياته سعيدة.
سمع علي صوته، يعلو ويعلو:
* أنا أرفض. لا أستطيع هجر آبائي وأجدادي.
في اللحظة التالية، تغير المكان والأشخاص. استعاد علي مشهد الخارطة العجيبة، ورأى أمامه محققًا وحوله مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح، وكان المحقق، يرفع في مواجهة وجهه، عددًا من الصور التي يعرف أصحابها:
* أنت تعمل ضد الدولة. توزع صورًا ممنوعة. ألم توزع صورًا ممنوعة لـ..