امتدت يد الآمر نحوه، بعلبة تبغ فاخرة، ملأت خياشيمه برائحتها الثقيلة، ودون إرادة منه، تراجع رأسه إلى الخلف:
* أنا.. لا أدخن.
راحت عيناه تتجولان في المكان، والآمر الشاب يشعل لفافة، وينفث دخانها في فضاء الغرفة.
على الجدار المقابل لعلي، راحت أضواء صغيرة تومض وتنير تضاريس خارطة كبيرة.
تعلقت نظرات علي بالخارطة. إنه يعرفها جيدًا، ورسمها كثيرًا في دفتره المدرسي، حفر معالمها وأسماء مدنها وجبالها وسهولها وأنهارها في ذاكرته.. على تخومها الغربية كان يكتب فوق مكان القاهرة، وبخط جميل وكبير: (القاهرة المعزية) وفي وسطها يرسم حروف (مدينة رسول الله الكريم) وإلى جوارها، حيث تربض مدينة بيت المقدس، يلون ما حولها من فراغ، ويمد الخطوط لتتجمع وتحل صورة المسجد الأقصى مكان المدينة، ومن بيت المقدس، يتجه نحو دمشق وبغداد، ولا يتوقف شرقًا حتى حدود الصين.
أما هذه الخارطة، فهي عجيبة العجائب، الأسماء غير الأسماء، والأماكن.. سبحان الله، كأنها غادرت مهادها وغيرت سماتها وصفاتها.
كان الآمر الشاب، يلاحق نظرات علي، وعندما طال الصمت، هتف به قائلًا:
* هل أعجبتك الخارطة؟.. كنت أعرف أنك مواطن صالح.
صوب (علي) نظرات عينيه، إلى وجه الآمر، وأشار بإحدى يديه، إلى الجهة الشرقية من الخارطة.
* كنت أظن أن الدولة تمتد بين نهري الفرات والنيل، فكيف شملت الهند والسندو.. وحتى حدود الصين؟..
ضحك الآمر:
* إنها حدود إمبراطورية المستقبل. كل مكان أقمنا فيه لنا الحق بامتلاكه، وهذا ما سنفعله.
كان (علي) في تلك اللحظات يحس وكأنه في حلم، لكنه ما كان يشك لحظة، في أن ما يراه هو أقرب إلى الخيال بل هو خيال مخلوق مصاب بكل أمراض البشرية.
لم يقل شيئًا، وإن كان يود لو يقهقه ساخرًا، لكنه لا يستطيع، لأنه يعرف ما ينتظره ومستعد له، فما حدث لأبيه سيحدث معه، ولابد أن يخضع لما خضع له الأب الراحل.