ترك (علي) فراشه، وألقى نظرة من النافذة إلى الخارج، وكان صوت أبيه يلحق به، وصورة وجهه تبرز أمام عينيه، فتضيء تباشير الصباح الأولى قسماته الحزينة:
-أدركت وهم يحيطون بي يا علي أنني أمام أحد أمرين أحلاهما مر، وهذه طريقتهم في التعامل معنا، فإما الاستسلام لإغراءاتهم الرخيصة، أو تحمّل عمليات الإذلال والتعذيب، ومن ثم الموت.
في البداية عرضوا عليّ عملًا بأجر مغر في حانوت لبيع المواد المستوردة، وعندما لمسوا تمنعي أبدوا رغبتهم في تمليكي الحانوت.. لكني لم أستسلم فجاء الرجل العصبي الذي قال لنا اننا نعمل ضد الدولة وأعلن بصوته العالي"هذا الرجل يعمل لصالح جهات معادية". وبدأ مسلسل الإذلال والتعذيب، وما أظنهم يا بني سيتوقفون، لأنهم وهم يعرّضون جسدي لأحدث ما اكتشف الغزاة من وسائل الضرب والإهانة، لم يكونوا يضربون رجلًا يعتاش من عمله البسيط، بل كانوا يرون في جسدي المقاوم، كل ما ينتظرهم في المستقبل والأيام القادمة، ولهذا يا ولدي، أقول لك: لا تبتعد عن أسوار أرض المسجد، مهما كان الثمن والتضحيات..".."
ما حدث للأب حدث مع الابن. لقد أردوا الأب برصاصة ذات مساء، وهذا هو الشيء الوحيد المختلف حتى الآن، وعلي يؤمن أن الأعمار بيد الله، ولو اجتمع غزاة العالم، ما استطاعوا تأخير أجله أو تقديمه.
هكذا كان يفكّر، وذلك الرجل العصبي، يتقدم الجنود الذين أحاطوا به واقتادوه، سيرًا على الأقدام، من جوار المسجد، إلى الجانب الغربي من القدس حيث ترتفع الأبنية ذات الطراز الأروبي، وتضج الشوارع والحانات بالصخب، وتختلط الأصوات بمختلف اللغات وتفوح روائح المسكرات من كل ركن وزاوية.
فوجىء البائع الشاب، وهو يعبر مدخلًا واسعًا، يحرسه جنديان مسلحان، بصوت يرحب به، ويدعوه إلى الجلوس:
*- أهلًا. يا علي.. اجلس.
لم يصدق ما يسمع، وصاحب الصوت يوجه اللوم إلى الجنود، ويأمرهم بمغادرة المكان.