نهض ناسيًا آلامه، لكنه لم يستطع التماس المسجد، فقدماه تورمتا، وآلام ظهره تمنعه من الانتصاب. تماسك يبتهل إلى الله، ثم سجد في مكانه وأدى صلاته، وفي الزمن الفاصل بين الصلاة وشروق الشمس، عاد إلى فراشه لتشاركه ذكرياته مع أبيه في وحدته.
إنّه يتذكّر ذلك اليوم القديم، ولا يدري لماذا أحس يومها بالخوف والقلق، وأحد الرجال الرسميين، يقترب من أبيه، بعد أن تفحص صفوف الكتب المعروضة، ويخاطبه بصوت عال، أثار انتباه العابرين:
* أنت. أيها البائع. من يدفع لك أجر إقامة هذا المعرض؟
ابتسم أبوه وأجاب:
* إنه.. مصدر رزقي.
أعاد الرجل نظراته إلى الكتب، وقال بعصبية: لا.. لا.. هذا معرض دعاية ضد الدولة. ضحك الأب وأشار إلى العناوين والأغلفة الملونة:
-ضد الدولة؟ قصة أهل الكهف، وقصة الإسراء والمعراج، يوسف والثوب الممزق. الملك سليمان والهدهد.. الطفل موسى وحكاية النهر. ماذا في هذه الكتب من دعاية ضد الدولة؟.
تلفت الرجل العصبي حوله. تسلقت عيناه أديم السور، وتجولت فوق تضاريس المسجد، ثم أعادهما إلى الكتب.
* هل أخذت تصريحًا باستخدام المكان؟..
أجاب الأب:
* أنا أضع كتبي هنا، قبل.. آه.. منذ زمن بعيد.
قال له أبوه، بعد ذهاب الرجل:".. وددت لو أخبرته أنني مقيم في هذا المكان، قبل قيام دولته، وقبل أن يدنس أمثاله، تراب هذه الأرض.."
في الأيام التالية، غاب الأب عن البيت عدة أيام، وعندما عاد، كان في مثل حاله: العينان والأنف والعنق والظهر والساقان.. والثياب. صورة طبق الأصل، لا تختلف في شيء، إلا في سيول الدموع التي غمرت وجه الرجل الكبير.
قال له يومئذ:
* الحكاية طويلة يا علي.. سأقصها عليك ذات يوم، أما الآن فكل ما أطلبه منك، هو أن تتمسك بأسوار المسجد وجواره، وتستمر في عمل أبيك إلى أن يكبر أبناؤك ويرثوا الكتب والمكان..