فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 47

غالب إحساسًا بالحنان والعطف، ورغبة أبية في البكاء، ومع ذلك راح يبتسم، ابتسم الأولاد، وظلّت الأم والزوجة ساكنتين، تتأملان الملامح المشوهة، والجسد شبه العاري.. خلال لحظات تغير كل شيء.

الأبناء ينظرون إلى الأب باعتزاز وإكبار ويفكرون"لقد خاض معركة كبيرة ضد الغزاة".

الأم نزعت الثياب عن جسد ولدها وساعدته في ارتداء ملابس أخرى.

الزوجة جاءت بالماء الساخن والمطهرات.

لم يسأل أحدهم عن شيء، وكان الرجل العائد من الموت، يبادلهم النظرات، ويبتسم، فلقد عاد، وهذا هو المهم الآن..

منذ كان (علي) فتى صغيرًا، وهو يرافق أباه إلى مكان عمله صباحًا. يساعده في حمل الصناديق والرزم، والكتب والمجلدات. ينظفها من الغبار، ويرتبها حسب أحجامها وألوانها، ثم يجلس على مقعد خشبي، على خطوات من مدخل المسجد، يرد تحيات العابرين، وينتظر عودة أبيه من المسجد، ثم ينطلق إلى مدرسته، خلف (سوق الباشورة) ليعود مع الغروب ويكون والده قد باشر بجمع الكتب، وإعادتها إلى صناديقها، لحملها إلى البيت.

وهكذا، كانت الأيام تمضي، حتى بلغ (علي) سن الرشد، وتزوج وأنجب، ورحل أبوه إلى جوار ربه، برصاصة غادرة من سلاح أحد جنود الاحتلال، ليرث عنه عمله، ومكانه على تخوم المسجد الأقصى.

يذكر (علي) جميع التفاصيل:حاول الغزاة إغواء الرجل الكبير لإبعاده عن السور ومنعه من بيع الكتب، وكانت وصية أبيه له، ويرددها في الصباح والمساء:"إياك ثم إياك أن تبتعد عن أسوار المسجد، أو تترك بيع الكتب"وقد أدرك فيما بعد سر رغبة المحتلين في إبعاد أبيه، وسروصية الأب الراحل، وها هي الأيام تؤكد له هذا الإدراك، وتزيد في تصميمه على الالتزام بالوصية، مهما كلفه ذلك من آلام وتضحيات.

كان (علي) قد استسلم لسنة من النوم، لكن الإغفاءة لم تستمر طويلًا، أنهاها صوت الآذان، يدعو إلى صلاة الفجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت