-لابد أن نبدأ بالسور، حتى لا يستطيع الأغراب اجتيازه.
ظلّ الصوت يتصاعد، والراحة التي لم أتمتع بها مطلقًا، تتسلل إلى ما بقي مني، كوميض فجر يهتك أستار الليل، كنداء سحري، كنسيم في نهار قائظ، كالنوم لجسد منهك، ثم تلاشى كلّ شيء..
السور القديم
.. الألم.. أخطبوط له عشرات الأيدي، تمتد وتعبث بخلايا الجسد الهامد.
يتلمّس الأعضاء والملامح، تستقرّ اليد الباحثة على الوجه المنتفخ. الفك السفلي ما زال يرتعش وتصطدم أسنانه بالقسم العلوي. عيناه.. مع مضي الزمن، عاد إليهما الإبصار، وكان يظن في لحظات العذاب، أنه لن يرى بهما بعد اليوم. أنفه وأذناه. عنقه وشفتاه، ومؤخرة رأسه. كلّ هذه الأعضاء وسواها، افتقد الإحساس بها وتوقفت عن العمل، أما ساقاه، وقدماه، وظهره. مكونات جسده جميعها، اقتربت من الخط الفاصل بين الحياة والموت، ولعلّه وبرودة ليل المدينة الشتائي تلسعه وتعيد إليه بعض الإحساس، بوجوده، ما كان ليتوقع لهذا الجسد الملقى في مكان مهجور بين القدس وقرية سلوان أن يعيد سيرته مع الحياة، فيتماسك وينتصب رغم الآلام المبرحة، ويغادر الحفرة العميقة التي ألقي بداخلها.
رفع رأسه باتجاه السماء، وشكر الله مرارًا، وشعور بالاطمئنان يغمره، فساقاه تحملان جسده، وخطواته تتلاحق، وهواء ما بعد منتصف الليل، يتسرب عبر ثيابه الممزقة، ليوقظ ما خدرته الضربات واللكمات من لحمه وأطرافه، وها هو منزله يقترب، رغم الظلام، يتخيل البيت فاتحًا صدره، ليحتضن الآلام والكدمات والهموم.
فتح الباب ودخل، دون أن يحدث ضجيجًا، لئلا يزعج النائمين، لكن وجوه: أمه وزوجه وأولاده، أحاطت به، يكسوها الشوق والقلق والتساؤل.
تناثروا حوله وهو يجلس على أحد المقاعد. عيونهم عصافير أليفة، ترفّ حول وجهه المتورّم، وتلامس أثوابه الملطخة بالأوشاب والدماء.