فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 47

شعرت وكأنّ الحياة تعاود سيرتها في جسدي، وصوت جديد، هو صوت أحد أحفادي دون شك، يعلو ويعلو، خلت أنه يخاطبني، يتحدّث إلى القبور من حولي، يبسط يديه القويتين، وينزع الحجارة والألوان ومظاهر الثراء والعوز، يبسط الأرض وكأنّها راحة الكف، يخلط ترابها وأشلاء أصحابها، يقلب عاليها سافلها، ويصنع من ثوبي، وأثواب أبي وأجدادي راية كبيرة، يشرعها فوق رأسه لتظلله فترفع البذور هاماتها، وتنفتح الأجداث لهامات ما يخفي الأديم، لتنتصب وتتطاول حتى تعانق السماء.

قال الحفيد:

-ليس من أجل هذا جئت، يا أبت، أنظر.. أنت ترى أن القبور تملأ الخلاء، ولا تترك مكانًا لزرع أو نخيل، بين أصحابها من أتى بأمجاده وقصوره، وهنا من كان لا يملك شروى نقير، ورغم أنهم يعرفون أننا خلقنا لنعمر الأرض، وأن اللعنة تصيب من شرف القبور ورفعها عن الأرض، فقد زينوا مدافنهم وحدها، بالرخام والحديد والألوان. وأحاطوها بالأزهار، وما ينقصهم سوى الخمرة والنساء.. والحراس.. من مثل هذا يا أبت، مات آباؤكم وأجدادكم، وعيونهم حزينة، ورؤوسهم منكّسة، مع أنّكم خير أمة أخرجت للناس.

مرّت فترة صمت، أعقبها سقوط جسد فوق ضريحي، رافقه ارتطام واهتزاز، وتردّد أنفاس متعبة، وعندما استقر كل شيء وهمد، علا صوت الحفيد حارًا، وحازمًا:

-ها قد واريت رفاتك في المكان الذي اخترت، ولن أقيم لك نصبًا، أو آتيك بحجارة بيضاء وألوان زاهية.

هل يبتهج الأموات ويبتسمون؟ لعلي كنت مبتهجًا، وربما رحت ابتسم، أحببت هذا القادم عبر الزمن، من صلب يمت إلى جذوري، أكان المنقذ أو المخلّص. إنّه حفيدي وتمنيت لو أعود ساعة واحدة إلى الحياة، لأشاهد وجهه وساعديه ونظرات عينيه، تخيلّته قوة لا تقهر، وساعدين يقاومان الحديد، وعينين تواجهان المخرز، ووجهًا كالقمر، يجب أن يكون حفيدي جميلًا وقويًا، ولا تنقصه الشجاعة.

مرة أخرى، انطلق صوت الحفيد، كان يخاطب آخرين ويقول لهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت