فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 47

مضى.. زمن طويل والصمت يكسو المقبرة كرداء، لا تراتيل أو آهات، لا وقع أقدام، لا شهداء أو موتى، ماذا يحدث في عالم الأحياء؟ سكن الآباء والأجداد منذ أصبحت من عدادهم، وددت لو تحدّث أحدهم إليّ: أبو ذر، مصطفى، عنترة، علي، إبراهيم، عروة، طارق بن زياد، وجميع الأسماء من أجدادي الأثرياء أو الفقراء، العظماء أو الصعاليك، الشهداء أو حملة الأوبئة والعاهات، أصحاب القصور أو الأكواخ، الذين يعشقون النساء والجواري والغلمان، والذين تضوع ألقابهم بالغار والعفّة والإيمان. لا أحد.. لا صوت.. لا موتى.. هل يقاطعني آبائي وأجدادي؟ ربّما.. لكن الأبناء والأحفاد.. أين هم؟ إلا يموتون أو يستشهدون؟ ألا يزورون قبور موتاهم؟

جاءني صوت ولدي، إنّه صوتي، تذكّرت النبرات والشجن، والدفء الممزوج بالبرودة، والصوت يدنو من ضريحي.. ويستقر فوقه:

-هنا يا بني جميع أجدادك، وهذا قبر أبي، جدّك الأخير . هم عاصروا القوى الغاشمة والامبراطوريات، وعبرت بهم جيوش لا حصر لها، جيوش الفرس والروم والأحباش، المغول والفرنجة واليهود، عرفوا القياصرة والأكاسرة، هولاكو وتيمورلنك وريتشارد قلب الأسد، ملوك الطوائف وأمراء المماليك وسلاطين بني عثمان، الإمبراطورية العثمانية، والمملكة التي لاتغرب عنها الشمس، والاتحاد السوفييتي العملاق، والولايات الاميركية العظمى، وذاقوا الأمرين من دويلة أسموها"إسرائيل"..

لقد قرأت التاريخ يا ولدي، وتعرف أن أجدادك عاشوا مراحل قيام الإمبراطوريات وانهيارها، منذ البداية حتى اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت