تناهى إليّ، بعد أن غمرني الصمت والظلام، والبرودة، صوت"الولد"ما كان شجيًا، ولم يصاحبه الأسى، أو يلتصق بنبراته الغضب، أو اللوم والعتاب، كان أشبه بصوت الناقوس وكان رنينه ذا صدى، فحسبت أنّ المقبرة وسورها المتهالك، والفضاء، والخلاء الممتد بعيدًا إلى ما لا تخوم، وكل ما حجبته عنّي تلال الحجارة والتراب، يحمل الصدى ويردده، كأنما وقعت الواقعة، ونفخ في الصور: - هذا ميراثك يا أبت، منذ أُول المقتولين إلى.. مرج الزهور. إنني أحمله، لكن صدقني، فأنا لا أعرف ما أفعل، وهنا يكمن الخطأ، أو الطامة الكبرى، فالموت يترصد الأنفاس، والجريمة في اسمي ولوني وتفاصيل أيامي. أولادي صفر الوجوه، وامرأتي قاصر، وذوو القربى أيدي سبأ، والغيلان يرمحون بين المشارق والمغارب، والسماسرة يبيعون لحمي، وارتفاع هامتي، وقوائم الراحلين.
هل يبكي الأموات؟ ما اشتقت إلى الدموع، وأكره العبرات من أي مقلة سُكبت، لكنّي والصوت يخترق أسوار الحياة، إلى أنفاق الموت، شعرت برغبة الثكالى إلى النحيب، لكنّ عينيّ مغمضتان، وأنفاسي ساكنة، وفمي مغلق، فكيف أعبر عما بي، وأريح وارثي القابع في شفا جرف هار؟
افتقدت الصوت والصدى، رويدًا رويدًا، ثم.. لم أعد أسمع شيئًا..