فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 47

-ربما أكون قد أخطأت يا بني، لكنّك واجد العذر لي، فأنتم تملكون ما لم نكن نملك، كنّا قبلكم قبائل وأشلاء وعبيدًا، ورغم ذلك قاومنا، دفعنا ثمن أن نبقى من نبضات قلوبنا وأفراح حبيباتنا، يكفينا أننا مهّدنا لكم الطريق وكلّ من سار على الدرب.. وصل.

قلت لابني:

-جدّك عاش أيام (سفربرلك) وحمل ميراث أبيه وأجداده، تنكّب بندقية صدئة، واستطاع أن يدمر دبابة للأعداء، وعلّمني أشياء كثيرة عن الحياة والأرض والديار والجار والنساء والأبناء والأحفاد، ولم أقل لذلك الجذر أنّه أخفق أو ضلَ، ولم أطالبه بجنّة عدن، فجنّة عدن يا بني نهاية، يسعى إليها الإنسان وليست بداية، فجدّك عمل ما رآه صالحًا وكذلك من سبقه، وقمت بما أوكل إليّ، لم يشأ الأنبياء والرسل القضاء على الشياطين، ولم تنجح العلوم الحديثة في استئصال الأوبئة والأمراض، ولن تظلّ القوى العظمى كما هي اليوم، فكلّ يجري إلى مستقرّ.

نهض ابني وابتعد، فلحقت به، فكّرت أني قد أهبه الراحة التي لم أشعر بها، عانيت طويلًا ولم أتمتع بهذا الإحساس مطلقًا.

على خطوة من ضريح يتوهّج بالألوان، ويرفل بالخطوط المذهبة والفضية، توقفنا، تنقلت نظراتنا، فوق الأضرحة المتناثرة، بدا أنّها تغطي وجه الأرض ولا مكان لزائر جديد، أمسك الفتى بيدي وهمس:

-أنت تعلم أني لن أكون آخر المساومين..

أهال الشاب، أكوامًا من التراب فوق جثتي، لم أكن ناقمًا أو غاضبًا أو حزينًا، ذلك حقه، فلقد فعلت ما يفعل، دفنت سيف جدي العتيق، وبندقية أبي الصدئة وجثمانه، تحت أكوام مماثلة، ذلك يحدث دائمًا. إنّها حكاية الحياة والموت المستمرة، ولا نهاية منظورة في الأفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت