فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 47

-أنسى؟ هي ليست ذكريات، أو لحظات من المتعة أو الأسى، هل ينسى المرء حياته؟ في تلك الأيام كانت أميركا فتاة لم تنضج بعد، تبحث عن عاشق في ربوعنا، علّقنا جثّة سمسار تلك الفتاة الماجنة: جون فوستردالاس، على (خشبة) . ملأنا كيسًا حمل هداياها إلينا: دقيقًا وحليبًا وأشياء أخرى، كان فارغًا عندما حشوناه بالقش والثياب البالية، رسمنا عليه صورة للسمسار، ولوّناها، وارتفعت أيدينا براياتنا في الساحات وفوق القمم، كان عندنا السمن والعسل والتبغ الأرجواني، فكيف نأكل الدقيق الأميركي؟

أحرقنا الجثة الملونة في الشوارع، ونثرنا رمادها فوق الوجوه السوداء، والصفراء، وكنّا مثلكم فتيانًا وشبابًا، وكان الحب طيبًا وحبيباتنا كالسمن والعسل، ولم يكنّ عاريات ملوّنات كمن تعشقون.

أخال وجه الفتى يتماهى في وجهي، تختلط السمات والصفات، وتشتبك وتقتتل:

-إنّه الإخفاق، تنكرونه، لنرث عاره وبقاياه.

أحتوي البذرة وأغمسها في الرحم، أمد يدي وألمس الفم:

-كفى. لم نخفق ولا نملك ما تنوءون بحمله، لكنّها حكايتنا وعليكم أن تعرفوها، وتدركوا أننا فعلنا ما استطعنا، لم نكن حزانى كالنساء أو نستسلم ليأس أو خنوع كالجبناء، كنّا فوق الطريق، والشمس تجللنا أشعتها، ولم نعرف الخور، أو نتدثّر بالظلام.

هدأ الشاب، وقبل أن نغادر سور المقبرة المتهدم، وكنّا نستند إلى حجارته المتآكلة، انساب صوته ضعيفًا واهنًا وحزينًا:

-علمتني ما لايقدم أو يؤخر، الرقص والتصفيق والهتاف والصراخ بأوهامك كالببغاء.

إلى جوار قبر أبي جلسنا. لم يكن القبر ثريًا في بنائه، أو مزيّنًا بما يميز جيرانه، أغمض الحفيد عينيه، وراح يرتّل السور والآيات، ارتفع بي الترتيل الشجي والكلمات الدافئة على أجنحة من الصفاء، وأحسست بالمكان وكأنه واحة أمن واطمئنان، فأغمضت أنا الآخر عينيّ. سمعت أبي يهتف بي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت