كانت عيناه قد حددتا مكان سقوط الحجر، وكان بياضه الناصع يعكس أشعة شمس الضحى، وعندما أصبح على خطوة من المكان، حنى قامته وأخذت إحدى يديه الحجر، لترفعه بخشوع وإجلال.
تأمله لحظة ورفع وجهه نحو السماء، والحجر يتوسد اليدين المفتوحتين نظيفًا نقيًا، لا أوشاب عليه من تراب أو دماء، وكان العجوز يعود بنظراته إليه، ليقرأ ما كتب فوق أديمه الحليبي:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا. إنه هو السميع البصير".
سور الخلاص
الآباء يأكلون الحصرم، والأبناء يضرسون. هتف ولدي بسؤال فاجع، كطعنة خنجر، زلزل كياني:
-لماذا فعلتم بنا هكذا... يا أبت؟
أنظر إلى الوجه الأصفر، والعينين الحزينتين، واليدين المختلجتين، كجناحي طائر سقط بطلقة غادرة. تكبر مساحة الاصفرار، يخصب الحزن، ينتفض الطائر المصاب، أقول لنفسي مخاطبًا خلفي:"كنت أريدك راية تخفق، سيفًا أشرعه وأغنية تصدح، ونسرًا حرًا.. لكن".
تتلاشى الملامح، تنطفىء المقلتان، يختفي الذراعان، ويعمّ ما يشبه.. العتمة:
-لا أدري يا بني، صدّقني هذه هي الحقيقة.
ريح سموم تلفحني، وينهار جدار ما في صدري:
-كيف ذلك؟ أخبرتني أن الطريق كان واضحًا، وتعرف تضاريسه وأديمه، قلت لي: أفنيت عمرك وأنت تسير رافع الرأس، نظيف اليد والجسد، فما اهتزت هامتك، وما تراجعت ولم تهجر مكانك في الميدان، وكانت خطواتك قوية وثابتة.. أنسيت يا أبت؟
صدري بحجم محيط، تحتله أنواء وعواصف عاتية: