فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 47

كانت الآلات والحفارات ما تزال تعمل أسفل أحد الأسوار، والعجوز يطلّ من أعلى، أعماقه مطمئنة راضية، ونسيم الصباح العليل يعبر إلى صدره، محملًا بعبير أزهار الليمون والبرتقال، وأجنحة تخفق فوق رأسه، وكانت ذاكرته تعمل. إنه مقدسي. جاور المسجد الأقصى صغيرًا، وعاش في حماه كبيرًا، ويعرف تاريخ الأيام والأحداث التي ألمت بوطنه، ويعرف أن المسجد الذي باركه الله، لن يذل أو يهان أو تمتد إليه الأيدي القذرة، ولهذا فهو يشعر بالاطمئنان والرضا مع أن جسده الضعيف، وبكل مسامه يتلقى بين اللحظة والأخرى، هزة أو خفقة أو رعشة، وأصوات صليل الحديد واصطدام المعادن تأخذ بالمكان والأسوار والأثير.

هدأت نظراته فوق تجمّع راح يتكاثر، في فوهة حفرة كبيرة تغوص عميقًا في الأرض، ورأى كبير التجمّع بثيابه الزاهية المميزة يحمل فوق الأكتاف، والفرح الوحشي يكتسح الملامح والحركات، ثم يعلو الصخب واللغط، ولكأن الحفارين قد اكتشفوا كنزًا أو منجم ذهب.

شدّه المشهد واعتراه إحساس عابر بالخوف، وخاطب نفسه وجلًا:"لعلهم وجدوا شيئًا، أثرا، يا إلهي.."

تحوّل الشيخ إلى مجموعة عيون وآذان. وتقاربت طيور المسجد، وكأنها تتوقّع خطرًا قادمًا، وراح التجمّع الذي ضمّ جميع الحفارين يهدأ رويدا.. رويدا، وذو الثياب الزاهية المميزة يقعي قريبًا من فوهة الحفرة الكبيرة.

ما حدث لم يكن منتظرًا، ولعل ما حدث كان فوق كل توقع، ولعلّ الرجل المطلّ من أعلى كان الإنسان الوحيد الذي شاهد ما حدث.

رأى العجوز يد فتى في مقتبل العمر، تمتد عبر الفوهة المواجهة للسماء، وتقذف الرجل الذي حمل على الأكتاف بحجر أبيض، فيشج رأسه، ويتدافع الذين حوله كمن أصابهم مس من جنون يحيطون به ويحملونه، ولا يلبث المكان أن يقفز من الحفارين والآلات وذي الثياب الزاهية.

بخطوات بطيئة متأنية، اتجه المقدسي إلى خارج الأسوار.

لم يكن يقصد مكان الحفر، ولا الحفرة الكبيرة، وما فكر.. في هذا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت