فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 47

أحسّ الشيخ وهو يطلّ من عل، أن الأرض التي تضرب بوحشية وتمزق منها الأحشاء. وكأنها تقاوم الحفارات والآلات العملاقة، وما لبث أن أحس وكأن هذه الأرض تبكي وتستغيث كما فعلت الحجارة والتراب والأشجار والطيور، وكلمة (شالوم) تتردد في الأفواه كنعيب الغربان.

مسح العجوز عينيه ووجهه ولحيته بكلتا يديه. كانت عبراته رغما عنه، قد أخذت بالتساقط، وغامت الأشياء وظللت الدموع نظراته، لكنه لم يكن حزينًا، وما قارب الخوف أعماقه.

إنّه.. واحد من الطيور التي تعيش في ظلال الجامع، وهو لا يذكر يوم فراق كاملًا، فما ابتعد يومًا عن محرابه أو ساحته أو جدرانه.

أجداده عرفوا الصليبيين والإنكليز، وفي ذاكرته تنبض أحداث وأحداث، تدور حول هذا الرمز المقدس الذي أسرى إليه عبد الله ليلًا، بأمر من الذي بارك حوله، فكيف يتسرب الخوف إلى أعماقه أو يستسلم لحزن؟

في صلاة الفجر انتظم الناس في الساحة الواسعة، ككل الأيام السالفة، وذكر اسم الله كثيرًا، ثم اندفع المصلون كطيور الجامع، وانتشروا في مناكبها وآفاقها، سعيًا خلف رزق أو غاية، كما فعل أجدادهم منذ مئات السنين.

ما كان رواد المسجد في يوم من الأيام، إلا كهذه الطيور الأليفة القريبة من الباب والمحراب، يحيون زوار كنيسة القيامة ويهشون لأتباع موسى، ويدركون أن المولى هو رب العالمين في الأرض جميعًا، لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى، والمسجد الأقصى هو بيت الإيمان والتقوى، فكيف يجرؤ مخلوق ويفكر في تشويهه أو هدمه أو تدنيس حجارته؟

يلقي الشيخ نظراته من مكانه فينفسح المدى المغسول بأشعة الصباح البيضاء، أمام النظرات الباحثة عن شيء ما. يتخيل رجالًا كأمواج البحر يأتون من كل فج عميق، على خيول كالعصافير، وجوههم مضيئة وسيوفهم تبرق كما الشمس يحيطون بالغزاة، ويطهرون الأرض ويهدهدون أثلامها وجراحها المفتوحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت