وأما الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط فهؤلاء هم السلف الصالحين من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم من الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكمًا وقاموا بمقتضاها اعتقادا وقولا وعملا فأحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق امتثالا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فجعلوه أولى بهم تصديقا لقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وقاموا بمقتضى هذه المحبة فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به عن ربه عز وجل، واعتقدوا أنه ليس من المحبة فيء شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور اختص الله بها وحده بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ومناقضة لما أخبر به سبحانه وتعالى [1] .
أقسام محبته صلى الله عليه وسلم:-
وهنا يذكر ابن رجب أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على درجتين:
أحداهما: فرض، وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديق في كل ما أخبر به وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة فهذا القدر لابد منه ولا يتم الإيمان يدونه 0
والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الإقتداء بسنته وأخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته، وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة [2] .
وفي فتح الباري عن بعض العلماء أنه قال: محبة الله على قسمين فرض وندب، فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه والرضا بما يقدره فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها فيورث الغفلة المقتضية
(1) انظر هذه الأقسام في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد التميمي
(2) استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس 35،34