هذه اللّغةِ؛ فلم أسمع يومًا من الأيّامِ أنّ أحدَهم أشارَ على تلامذتهِ أنّه إنّما يدرِّسُهم هذه اللّغةَ ليستخدموها في الاتّصالاتِ والحوارِ، وليعبّروا بها عن كلِّ ما يقصدونهُ من حلوٍ ومرٍّ، وليشرحوا بها ما تتطلّبُهُ الحياةُ والعلاقاتُ والمناسباتُ من سرورٍ وألمٍ، وما تستوجِبُهُ المسؤوليّةُ من إرشادٍ، وإعلامٍ، وتنبيهٍ، وتبشيرٍ، وإصلاحٍ، وتنوير. ذلك لأنّهم بالذّات عاجزون عن استخدام اللّغةِ العربيةِ في هذه الأغراضِ، فكيف بهم أن ينصحوا تلامذتَهم بذلك فيفتضِحَ أمرُهم! لذلك ما زلنا نراهم منهمكين في تحفيظ القواعدِ وتدريس الآدابِ والمبادئِ. كلُّ همومِهم يستقطِبُ على التّحفيظِ لمحضِ التّحفيظِ. وحسبُهم أن يروا التِّلميذَ أنّه لايلحنُ في القراءةِ؛ يرفعُ الفاعِلَ، وينصِبُ المفعولَ، ويجرُّ المضافَ إليه ليس إلاِّ!! ..
فما الفائدةُ إذنْ من كلِّ هذه الجهودِ وما كلّفهم من سهرٍ ووقتٍ ومالٍ طوالَ سنين في خدمةِ التّدريسِ، إذا وجدوا يومًا هؤلاءِ الطّلبةَ عاجزين عن النّطقِ وهم يتمتمون في حديثهم خاصّةً مع المتفتّحين من أبناءِ هذه اللّغةِ، وذلك بعد أن أفنى كلٌّ منهم ثلثَ عُمُرِهِ في إحصاءِ القواعِدِ وحفظِها، فتخرّجوا من كلّيةِ اللّغةِ العربيّةِ وحملوا الشّهادّةَ الجامعيّةَ وهم لا يستطيعون الإفصاحَ بالعربية ولا يبلُغُ مستوى أحدِهم معشارَ ما يتمتّع به أدنى المستشرقين من المعرفةِ بِلُغَةِ الضّادِ!
هذه المشكلةُ مازالت قائمةً. لأن ثمَّةَ قُوىً تؤَجِّجها، وتعملُ على بقائِها، وتصلُبِها؛ حتّى لايتمكّن أبناءُ الإسلامِ في تركيا من الاتصالِ بأبناءِ أمّتِهم في البلادِ العربيةِ. ولعلّ أساتذةُ اللّغةِ العربيةِ في تركيا لم يصْحوا من نومتِهم بعدُ، ولم ينتبهوا إلى هذا الخطرِ وإلى ما يعاني منه المتخرِّجونَ من تلامذتهم اليومَ من العجزِ والبطالةِ. بل نضطرُّ أن نتّهمَ بعضَهم بأنّهم يتواطئون مع المتزمّتين الّذين يقدِّسون الأسلوبَ العثمانيَّ العقيمَ. فإنّهم يعتمدون في تعليم اللّغةِ العربيةِ على إلقاءِ الدّروسِ باللّغةِ التّركيةِ، ويصرّونَ على هذا الأسلوب، وذلك من أكبر العقباتِ واخطرِها أمام الطّالبِ.