أولئك الّذين يزعمون أنّهم يُتقنون اللّغةَ العربيةَ، وهم في الحقيقة يجهلون التعبيرَ بها نُطقًا وكتابةً. إنهم لا يكذبون على أنفسِهم فحسب، بل يتواطؤون على خيانةٍ رهيبةٍ؛ يكتمون عجزَهم عن التعبير بأدنى شيءٍ مما يجولُ في صدورِهم باللغة العربية، كما يكتمون عجزَ آلافٍ من أمثالِهم في هذا البلد، في الحين الّذي يحتلُّ كلٌّ منهم منصِبَ أستاذٍ للّغةِ العربية في عديد من كلّياتِ العلوم الإسلاميةِ، ويباهون بتلك الشّهاداتِ الّتي يحملونّها والعناوين الأكاديمية التي يتمتّعون بها.
أيها الإخوة!
إنّكم لا بد وقد لمستم نفعًا كبيرًا من هذه الحلقاتِ الدّراسيةِ لما فيها من أسلوبٍ واقعيٍّ وعلميٍّ متينٍ، كما انتبهتم إلى مسائلَ هامّةٍ في تعليم اللغةِ، وتأكّدتم بعد ذلك أنّ اللّغةَ لا تنحصر في القراءة فحسب، وإنّما هي آلةٌ يجبُ استخدامُها في التّعبير الشّفويِّ والكتابيِّ على السّواءِ. ثمّ علمتم أيضًا وتأكّدتم بعد ذلك أنّ أسلوب تدريس اللّغة العربيةِ في هذا البلد قديم، ٌ تقليديٌّ، وعرٌ وسقيمٌ من وجوه عديدةٍ. تدلّ على هذه الحقيقةِ براهينُ كثيرةٌ.
منها: أنّ الّذين يُدَرِّسون اللّغة العربيةَ في تركيا هم بالذات عاجزون عن استخدامِ هذه اللّغةِ في التعبير الشفويِّ والكتابيِّ على السّواء.
ومنها: أنّ جميعهم عناصرُ تركيةٌ لم يدرسوها ولم يتخرّجوا على يد أبناءِ هذه اللّغةِ، بينما الأسس العلمية نافيةٌ للنجاحِ في دراسةِ أي لغةٍ إلا أن تكون بواسطة من قد تعلّمها من أمه وأبيه وهو طفلٌ ثمّ درسها وطوّرها بطرقٍ علميةٍ معروفةٍ.
ومنها أنّ هؤلاءِ الرّجال، هم متعصّبون في اتّخاذ الطريقة القديمة التّقليديةِ للتّدريس بسبب نزعتهم القوميةِ واعتزازهم بالأمجادِ والتاريخ البائد. يكفينا أن نذكِّرَهم بقوله تعالى:"وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُروُنِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعوُنَ"