فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 26

لكن المنكر الاجتماعي الذي أنا وأنت وولدي وولدك وجار وجارك كلنا نشترك فيه ونعلم به، وربما نتعامل معه بجهل أو تجاهل أو لضرورة أو لغير ذلك من الاسباب، فمثل هذه المنكرات يجب أن تكون الأمة شاهدة على إنكارها كما ذكر الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) . وأيضا:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .

بهذا صرتم خير أمة أخرجت للناس، فإذا تركتم مسئوليتكم كأمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، إذا تركتم هذه المسؤولية لا تصبحون خير أمة، لماذا تكونون خير أمة عند إذ؟

خير أمة بالأكل، بالشرب، بكبر البطون، بهز الرؤوس، خير أمة بالتمدح بتاريخ مضى كنا وكنا!

كن أبن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول هاأنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي

لا تكن عظاميا أو كنتيا مجدك بتاريخ مضى تعيده صباح مساء، أصنع أنت مجدا بنفسك ولو قل، أما التمدح بمجد الآخرين فهذه أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.

إذا بهذا كنتم خير أمة أخرجت للناس أنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر تشهدون على الناس: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .

الغريب أننا جميعا نقرأ الحديث المتفق عليه عن قصة الرجل الذي مر به ميتا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأثنى الناس عليه خيرا، فقال عليه الصلاة والسلام وجبت، قال الناس ما وجبت؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) وجبت له الجنة، لماذا لأنكم أثنيتم عليه خيرا. والآخر وجبت له النار، لماذا؟ لأنكم أثنيتم عليه شرا.

هذه حالة شخص، يعني أمة الصحابة رضي الله عنهم شهدوا علانية وأقولها بملء فمي، شهدوا علانية على شخص بعينه بالخير فوجبت له الجنة، وشهدوا علانية على شخص بعينه بالشر فوجبت له النار، حتى وهو ميتا لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول اذكروا محاسن موتاكم، ويقول لا تسبوا الأموات فأنهم أفضوا إلى ما قدموا.

ولم يذكر قط أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر على أصحاب هذه الشهادة، لماذا؟

الجواب والله أعلم أن الظاهر من سياق الحديث أن ذلك الشخص الذي كان يرتكب المنكرات كان يرتكبها علانية ويجاهر بها، ولذلك أصبح أمره مشهورا مفضوحا عند الناس يتكلم عنه الخاص والعام، فلما ذُكر لم يملك ذلك الجيل الطيب النقي المخلص الورع، لم يملكوا أنفسهم من الفرح بموته والثناء عليه شرا بما كان معروفا من سوء حاله، استراح منه البلاد والعباد والطيور والشجر والدواب والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت