فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 26

هذا يذكرني بالقصة التي حدثت في اليمن في عهد أحد أئمة الزيدية، فيقولون أن إحدى القبائل اشتكوا للإمام أن المراسل الذي يأتيهم بأوامر الملك أنه رجل قاسي عنيف وشديد أحمق وأنهم يطالبون أن يغير ويأتي بإنسان أحكم منه.

فأرسل إليهم الإمام - كما كان يسمى - قائلا أنتم اليوم تطلبون تغيير الرسول الذي يأتيكم مني، وغدا تطلبون تغيير مأمور القرية، وبعد غد تطلبون تغيير الذي فوقه، وربما يأتي يوم تطلبون إبعادي أنا أو تغييري.

لكن نقول أن القضية لا تصل إلى هذا الحد، الأمور أهون من ذلك، كل ما في الأمر أن هناك مجموعة من الناس عندهم رأي، ولهم مشاركة، ولهم اجتهاد ومطلب إصلاحي، هذا كل ما في الأمر، فلماذا تبني نتائج وهمية، وخيالية وبعيدة على أسباب قريبة جدا ولا يتوقع أن تحدث الأمر الذي تحدثه.

لماذا نتصور أن الناس دائما بلا عقول ولا إدراك ولا شعور بالمسؤولية، وأننا وحدنا الذي نملك ذلك أما الآخرون فهم يحتاجون إلى وصاية.

متى تشب الأمة عن الطوق وتصل إلى مرحلة من الرشد تجعلها ليست بحاجة إلى وصاية من أحد؟

نعم لابد للأمة من علماء عبر التاريخ كله، لكن العلماء إنما هم مبلغون عن الله تعالى، ناطقون بإسم الشرع، والأمة تختار من أقوالهم وفتاويهم ما تعتقد أنه أقرب إلى الدليل.

وكذلك لابد للأمة من عرفاء كم ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لكن مع ذلك يظل للأمة رأيها، ولذلك عمر رضي الله عنه لما ولي الخلافة، أراد أن يعين بعض الصحابة لتحمل بعض المسؤوليات.

فقاموا عليه وقالوا لا يا أمير المؤمنين، كل واحد أراد أن يتنصل من المسؤولية.

فقام عمر وأعلنها على المنبر، والله لتتحملون المسؤولية معي أو لأنسحب وأترككم وأتخلى عن الخلافة، ما دام أنكم وضعتموها في عنقي فلابد أنى تتحملوا الأمر معي.

فأنظر كيف انقلاب المفاهيم وانعكاسها اليوم:

عمر يطالب الناس ويجرهم جرا بالقوة لأن يتحملوا عنه هذه التبعة العظيمة الضخمة التي وضعوها في نقه، يتملون عنه حتى بالإنكار عليه، بالتصحيح بالاستدراك، بالنصيحة وبالدعاء له أيضا وبالتوجيه وبغير ذلك من الوسائل الشرعية.

إن أي إنسان مهما بلغ من العظمة والكمال لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية كل شيء حتى لو كان عمر رضي الله عنه، فكيف بمن دونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت