(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) . لو قال لك أحد في مجلس في عشرة أو عشرين يا فلان اتق الله، اتق الله ربما خرجت من ثيابك، وقلت له هل رأيتني على جرم؟ هل رأيتني على ظاهر منكر أو معصية فتخاطبني بهذا الأسلوب؟
فكيف إذا قال لك يا فلان اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، فربما تقول له وهل رأيتني عميلا، أو ضبطت عندي معاهدة مع الغرب أو الشرق، هل رأيت أنني أدور في فلك أعداء الإسلام من الأمريكان والروس أو الألمان أو غيرهم حتى تخاطبني بقولك ولا تطع الكافرين والمنافقين؟ ولربما أرغى وأزبد.
الله تعالى خاطب رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا في القرآن إلى يوم القيامة:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) .
وفي نفس السورة يقول الله تعالى لنبيه ومصطفاة عليه صلوات الله:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) . من هو الذي يخفي في نفسه ما الله مبديه؟ الرسول عليه السلام، وربنا يخاطبه بهذا في القرآن، وكلنا معشر المحبين للرسول عليه السلام نقرأ هذا إلى يوم القيامة.
(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) . تصور أنت لو أن أحد قال لك مثل هذا أمام عشرة من الناس، أو حتى خمسة أنك تخفي في نفسك أشياء الله سبحانه يبديها ويظهرها.
(وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) . الله أكبر، ما أعظم هذا الرسول عليه السلام الذي يقرأ هذا الكلام ثم ينقله للناس، ولو كان مخفيا شيئا من القرآن لأخفى هذا، لكنه كما قال عنه ربه:
(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) .
وكما قال عنه ربه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
وهذا من أعظم الأدلة على ربانية القرآن، أن فيه عتاب لشخص النبي عليه السلام الذي جاء بالقرآن.
المقصود أن الله كان قادرا على أن ينبه نبيه عليه السلام عن هذه الأشياء بطريقة خاصة دون أن يكون هذا علانية، ودون أن يكون هذا قرأنا يتلوه الناس.
وقد يقول قائل أنه ربما يكون في هذا مظنة أن أحد قد يفهمه على غير وجهه.
نقول لا عبرة في هذه الافهام الناقصة، ولكن العبرة في الحق الصراح البواح الواضح، وفي ذلك تربية على أن من كان دون الرسول عليه الصلاة والسلام بمراحل لا تقاس ولا تجارى - وإن كان الصالحون يكونون معه يوم القيامة - من كان من عامة المسلمين أو من خاصتهم من أهل العلم أو من أهل الفضل، أو من أهل الرئاسة، أو من أهل الشهرة والمكانة الاجتماعية أنه لا حرج قط في الإنكار عليه جهرا في ما يكون الأولى فيه الجهر، وإسرارا في ما يكون الأولى في الإسرار.