المقصود أن الإسلام حينما جاء لم يحول هؤلاء إلى مجموعة من الدواجن تربى في حظيرة، لا بل عمق في نفوسهم هذه المعاني واستثمر هذه الروح، روح القوة والرجولة والمروءة، روح الاستقلال والشجاعة قواها في نفوسهم ونظمها ووظفها بشكل صحيح.
ولذلك أبو بكر رضي الله عنه ثاني يوم بويع بالخلافة حمل على كتفه البز وذهب يبيع في السوق يضرب كتفه كتف رجل آخر يقول له السلام عليكم يا خليفة رسول الله.
فحتى الاسم كان أسم عادي، فتوارث هذا التفخيم والتعظيم في الأسماء لم يكن وارد، حتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا ينادونه يا رسول الله، يا نبي الله، بل بلغ الجهل ببعض الجفاة أنهم نادوه يا محمد أخرج إلينا فأدبهم الله تعالى بقوله:
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وقال الله تعالى للمؤمنين: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) .
يعني لا تنادوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإسمه المجرد كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن خاطبوه بلفظ التبجيل، ما هو؟ يا رسول الله، يا نبي الله.
وحينما قال له واحد كما في بعض الروايات أنت سيدنا وأبن سيدنا نهاه عن ذلك وأنكر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال السيد هو الله، على خلاف في صحة الحديث.
وقال لا تطروني كما أطرت النصارى أبن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله.
فهكذا كان العرب في جاهليتهم، ثم هكذا عمق الإسلام هذه المعاني وربى الناس على الانضباط بالسمع والطاعة في الحق في المعروف في الخير وفي ما يرضي الله ورسوله، دون أن يصل الأمر إلى حد الضعف والعبودية كما كان موجودا عند فارس والروم من هذه المعاني الرديئة التي ورثها المسلمون منذ قرون وظلت تتعاظم وتكبر بينهم شيئا فشيئا.
فهكذا كان الأمر في عهد الصحابة رضي الله عنهم.
البعض يضرب المثل بعثمان رضي الله عنه وأن إسامة رضي الله عنه رفض أن ينكر على عثمان علانية.
أولا موقف إسامة كان موقف شخصي يقابله موقف جماعة من الصحابة الذين كلموه وهم كثر.
وإذا احتج واحد بموقف إسامة فللآخر أن يحتج بالذين انتقدوا إسامة وطلبوا منه أن يتكلم مع عثمان رضي الله عنهم، هذا جانب، والجانب الثاني أن إسامة رضي الله عنه أجتهد وأصاب، لأنه رأى أن هناك بوادر فتنة يستغلها بعض الخصوم، وبعض أعداء الدين وأعداء الصحابة وبعض الموتورين، وأنها بدأت تدر بقرونها وتطل