فهذا أمر موجود ولم يُحدث مثل ذلك أي قلاقل أو تمزيق بل على النقيض من ذلك كان هو صمام أمان، لأن ذلك بمثابة التنفيس للناس يجعلهم يتحركون بهدوء.
ويشعرون بأن قضيتهم قائمة وأن إمكانية التعبير عن أفكارهم موجودة وأنهم جزء من هذا المجتمع.
وأنهم مستفيدون من فرصه، ومستفيدون من إمكانياته، مستفيدون من حظوظ الخير الموجودة فيه.
وأنه ليس مجتمعا لطائفة معينة أو لحزب خاص أو لشخص بذاته، لا، هو مجتمع لنا جميعا.
كما قلت غنيمة لنا فيها سهم فكلهم يستفيدون من هذه القنوات، ويستفيدون من هذه الفرص، ويستفيدون من هذه الإمكانيات، ولذلك يكونون حريصين على وحدة المجتمع، وحريصين على استقرار المجتمع، ويكونون يدا واحدة ضد أي إنسان يكتشفون أنه يسعى إلى تدمير المجتمع أو تمزيقه أو حربه.
هذا من الناحية الواقعية، أما من الناحية التاريخية فإن المنهج السلفي السليم الصحيح يشهد بذلك كله من عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما شئت من الوقت والتاريخ، من عصر الصحابة مثلا من أشهر الأمثلة قصص عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
كان عمر الخليفة أمير المؤمنين يقف على المنبر ويقوم واحد من عامة الناس ليعترض عليه حتى وهو على المنبر، لم يصبر حتى ينزل بل يتصدى له في وسط الناس ويقوم ليخطئ عمر رضي الله عنه.
وهذه ليست حادثة أو اثنتين أو عشر أو مائة، بل هي حوادث أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصى، ولا مجال لعرضها أو الحديث عنها، بل لا مجال لأحد أن ينكرها، لأن بعض الناس قد يأتي ليقول أثبت الأسانيد، لماذا كل سيرة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قبلتها ما عدا هذا الجزء فتطالب بإثباته بالأسانيد؟
كل أحداث التاريخ، وكل القصص هذه لا يشترط فيها أسانيد مثل أسانيد صحيح البخاري، هي قضايا متواترة مشهورة ومعروفة، بل حتى في الجاهلية لم يكن الناس توارثوا الأبهة والتعظيم المبالغ فيه للأشخاص وللرجال أيا كانت منازلهم ومواقعهم ومسؤولياتهم أو علمهم، فقد كان الرجل في الجاهلية وهو شيخ القبيلة يطلب من شخص عادي أن يمنحه فرسه فيرفض ذلك ويقول:
أبيت اللعن إن سكاب علق نفيس لا يباع ولا يعار
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ومنعكها بشيء يُستطاع
يقول ما دمت أستطيع أن أمنعك لا أعطيك هذا الشيء، فهو شيء خاص بي ولا تستطيع أخذه بالقوة.
إن العرب في الجاهلية كان فيهم أنفة وعزة، وكان فيهم رجولة واستقلال مع قدر من الانضباط عندهم حسب ما هو معروف.