قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا السبب يذهب الناس بِدَوابِّهم اذا مُغِلَت الى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالاسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة من بنى عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما، فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، والجهال تَظن أنهم من ذرية فاطمة، وأنهم من أولياء الله، وإنما هو من هذا القبيل، فقد قيل: إن الخيل اذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يَذهب بالمغل. اهـ.
وقد حدّثني بعض المسلمين الذين يُقيمون في بلاد الكفار، أن الكفار الذين يدفنون موتاهم بالتوابيت مدة معلومة ثم يجمعون عظامهم بعد ذلك في مكان واحد، ثم تُستخدم التوابيت في دفن آخرين، وأنهم يجدون في التوابيت آثار أظفار وخدوش على جدران التوابيت، وهم يعتقدون أن سبب ذلك أن من الأموات من دُفِنَ حيًّا!
وإنما هو من عذاب القبر، ولعل قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) يدلّ عليه.
4 -أن سماع عذاب القبر ليس مستحيلًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: فلولا أن لا تَدَافنوا لدعوت الله أن يُسمِعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. رواه مسلم، وقد تقدّم.
فما تَرَك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سؤال الله أن يُسمع هذه الأمة من عذاب القبر إلا خشية ألا يتدافنوا. ولما كانت الحكمة مُنتفية في حق البهائم أُسْمِعت عذاب القبر.
وأما أحوال الناس في البرزخ فَعَلَى أنواع:
النوع الأول: وهم أعلى الناس منزلة في قبورهم، وهم الأنبياء، لقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
النوع الثاني: الشهداء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. أي لما كان يُقاتِل. رواه النسائي وهو حديث صحيح
ولما حَفَر جابر بن عبد الله قبر أبيه، وكان من قُتِل يوم أحد. قال: فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هُنيّةٍ في أُذنه. رواه البخاري.
وهؤلاء - أي الشهداء - يُنعّمون في قبورهم، ويأمنون فتنة القبر، وسؤال المَلَكين.