وقال ابن أبي العز: وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلّم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عَهَْد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تُحِيلة العقول، ولكنه قد يأتي بما تَحَار فيه العقول. اهـ.
وعذاب القبر ليس مما يستحيل عقلًا، ومن ذلك:
1 -أن النائم قد يرى في منامه أنه يُنعّم، وإلى جواره آخر يرى أنه يعذّب، ولا يشعر أحدهما بما يجري لصاحبه، كما أنه لا يُدرِك ذلك سوى صاحب المنام.
قال ابن القيم: ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمِّه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مِرْيَة فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقِلّة علمه أُتيَ، كما قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
2 -أن العذاب يُمكن أن يقع على الأجساد حتى ولو أرِمَتْ وتبعثرت وتناثرت، ويدلّ على ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسْرَف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا متّ فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم أذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قَدَرَ عليّ ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا، قال: ففعلوا ذلك به، فأمَرَ الله البَرّ فَجَمَع ما فيه، وأمَر البحر فجَمَع ما فيه، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال مخافتك، فغُفِر له بذلك.
فالذي جمَعَ أجزاء جسمه المتحللة في الهواء والماء، قادر على أن يوقع العذاب على كلّ ذرّة من جسمه في أي مكان كان، ذلك أنه (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) .
وقد تكلّم العلماء على هذه المسألة وضربوا لها الأمثلة بالذي يموت غرقا في الماء، أو حرقا بالنار، بل حتى المصلوب، ومن أكلته السباع، إن كان ممن استحق عذاب القبر، وأراد الله عذابه فإنه سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وأما الروح فلا إشكال في وقع العذاب عليها؛ لأنها باقية.
3 -أن عذاب القبر مما تُدركه المخلوقات غير الإنس والجن، لقوله صلى الله عليه وسلم عن الكافر أو المنافق: ثم يُضرب بِمِطرقة من حديد بين أُذنيه، فيصيحُ صيحةً يَسمعها من يَلِيْه إلا الثقلين. رواه البخاري وقد تقدم.
وقال صلى الله عليه وسلم عن أهل القبور: إنهم يُعذّبون عذابًا تسمعه البهائم.