الصفحة 26 من 148

العروض لم يسئ الى شعرنا قط، بل اساء الى أدبنا بنوع عام، فبتقديمه الوزن على الشعر قد جعل الشعر في نظر الجمهور صناعه، إذا أحاط الطالب بكل تفاصيلها أصبح شاعرا، وأذ أن للشاعر منذ بدء التاريخ مقاما رفيعا بين قومه أصبح كل طالب شهره يلجأ الى العروض كأنه أقرب الموارد، وبذاك انصرف أكثر مواهبنا الى قرض الشعر، فأفقنا اليوم ولا روايات عندنا ولا مسارح ولا غلوم ولا اكتشافات ولا احتراعات.

ويروى ميخائيل نعيمه أن الشعر الحقيقى لا ينحصر في عشرات من البحور ولا في ألوف من الأبواب، ففى كل عاطفه باب، وفى كل فكر بحر، بل إن في مظهر العاطفه الواحده، ألف باب وباب، وفى ثنية واحده من ثنيات الفكر الواحد ألف بحر وبحر، ومتى أدرك الشعراء الجدد أن مصدر الشعر طى النفس عكفوا على درس أنفسهم، وتفقدوا زواياها وخباياها، حتى إذا ما عثروا هنالك على عاطفه ترتعش وفكر يتململ صاغوا لتلك العاطفه ولذاك الفكر لباسا من الكلام يليق بهما.

وليس من الكلام ما يليق لباسا للعاطفه الحيه والفكر المستيقظ الا ما جمع منه بين ائتلاف الوان الرسام وتناسق اشكال النحات وتوازن خطوط البناء وترابط الحان الموسيقى.

وحين نعاود قراءة مقال (ميخائيل نعيمه) كله (فى كتاب الغربال) ندرك أنه لم يقصد الى ارساء أسس نقديه، وقوانين علميه لموسيقى الشعر العربى، ولكنه يتكلم بعاطفة الأديب وليس بعقلية الباحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت