أيها الأخ الكريم: إن ربك لبالمرصاد ، وسيناقش الحساب ، ويطالب بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات ، ولن ينجي من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة ، وصدق المراقبة ، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات ، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات ، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه ، وحضر عند السؤال جوابه ، وحسن منقلبه ومآبه ، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته ، وطالت في عرصات القيامة وقفاته ، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته .
أيها الأخ الكريم: ما الذي يمنعك من المبادرة إلى التوبة والأعمال الصالحة ؟ ما الذي يجعلك تسوف فيهما ؟ ، هل لأن فيهما مشقة ؟ ، وهل تنتظر يومًا تزول فيه هذه المشقة ؟ ، هذا لا يمكن أن يكون لأن الجنة محفوفة بالمكاره ، والمكاره ليست خفيفة على النفوس .
أيها الأخ: منذ متى وأن تقول: غدًا أتوب ، السنة القادمة أتوب ، جاء الغد ، وجاءت السنة القادمة ، وأنت على ما أنت عليه ، اقترب الموت وورد النذير ، فمن ذا يصلى عنك بعد الموت ، ومن ذا يصوم عنك بعد الموت .
كان عبيد الله البجلي كثير البكاء يقول في بكائه طول ليله: (إلهي أنا الذي كلما طال عمري زادت ذنوبي ، أنا الذي كلما هممت بترك خطيئة عرضت لي
شهوة أخرى ، واعبيداه ! خطيئة لم تبل ، وصاحبها في طلب أخرى ، واعبيداه إن كانت النار لك مقيلا ومأوى ، واعبيداه إن كانت المقامع برأسك تهيأ ، واعبيداه قضيت حوائج الطالبين ، ولعل حاجتك لا تقضى .