وقال منصور بن عمار: سمعت في بعض الليالي بالكوفة عابدا يناجي ربه وهو يقول: ( يا رب وعزتك ما أرد بمعصيتك مخالفتك ، ولا عصيتك إذ عصيتك وأنا بمكانك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولا لنظرك مستخف ، ولكن سولت لي نفسي ، وأعانني على ذلك شقوتي ، وغرني سترك المرخى علي ، فعصيتك بجهلي ، وخالفتك بفعلي ، فمِن عذابك الآن مَن يستنقذني ، أو بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني ، واسوأتاه من الوقوف بين يديك غدا إذا قيل للمخفين جوزوا وقيل للمثقلين حطوا ، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط ، ويلي كلما كبرت سني كثرت ذنوبي ، ويلي كلما طال عمري كثرت معاصي ، فإلى متى أتوب ، وإلى متى أعود ، أما آن لي أن أستحيي من ربي) .
فهذه طرق القوم في مناجاة مولاهم وفي معاتبة نفوسهم فيا ليتنا كنا مثلهم .
أيها الإخوة: أقول هذا ونفسي الأحق بالمعاتبة وحري بي أن أعاتبها بما قيل: أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل ، تدعين إلى الله وأنت عنه فارَّة ، وتذكرين بالله وأنت له ناسية ، أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا جمعوا كثيرًا ، وبنوا مشيدًا ، وأملوا بعيدًا ، فأصبح جمعهم بورًا ، وبنيانهم قبورًا ، وأملهم غرورًا ، ويحك يا نفس أما لك بهم عبرة ، أما لك إليهم نظرة ، أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من المخلدين ، هيهات هيهات ساء ما تتوهمين .
ويحك يانفس أين تلاوة القرآن ؟ ، وأين معاني الآثار ، وأين الشكر لمن لا تعرفين منه إلا الإحسان ؟ ، رضيت بأحوال الجاهلين ، ومنازل الغافلين ، وأعمال الفاسقين .
ويلي وويحي من تتابع جرمي لو قد دعاني للحساب حسيبي
والويل لي ويلٌ دائمٌ إن كنت في الدنيا أخذت نصيبي
واستيقظي يانفس ويحك واحذري حذرًا يهيج عبرتي ونحيبي