ولو تلاحظ أيها الأخ أن أهل العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات ؛ فالحج مثلًا أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال: (( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (البقرة:198-199) وفي صلاة الليل قال الله تعالى: (( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) ) (آل عمران:17) هل أمضوا ليلهم عند الدشوش ؟، هل قضوا ليلهم في معصية الله ؟، أبدا ً كانوا يؤدون عملًا من أسباب دخول الجنة ومع ذلك عندما فرغوا منه أكثروا من الاستغفار ، وفي الصحيح أن النبي كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام .
لماذا يستغفرون عقب الطاعة ؟ المتبادر للذهن أن الاستغفار يكون عقب المعصية وهؤلاء يستغفرون عقب الطاعة لماذا ؟ ؛ لأنهم أيها الإخوة يدركون تقصيرهم فيها ، وأنهم لم يقوموا بحق الله فيها حق القيام كما يليق بجلاله ، وأنه لولا توفيقه لهم بعملها لم يعملوها ، فكم عبد من عباده محروم من عملها .
وهذا يدلك على أن الله هو الذي يمتن على عباده ويوفقهم إلى طاعته ، وأن الإنسان لا يأمن على نفسه الزيغ ، يا أخي ألم يقل ربنا سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل البشر (( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) ) (الاسراء:74) ، وقال يوسف الصديق: (( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) ) (يوسف:33) ، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .