شاهده في ذلك نفس الإنسان وباطنه، وهذا الاعتراف هنا في هذه الدنيا هو مقدمة الاعتراف يوم القيامة كما قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (.
ويقول ?: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (. وقوله سبحانه في الأعراف: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (.
وهذه الكلمة: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (هي كلمتهم التي يرددونها منذ بزوغ أمر العذاب ورؤية مقدماته حتى يتم عليهم بجلجله فلا يبقى لهم قوة ولا عماد كما قال ?: (فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (.
وقد يقع المَكر الإلهي بأقوام بأن لا يروا العذاب على حقيقته، بل يخدعون به مكرًا بهم وإنزالًا له على صورة الفجأة التي تؤلمهم كما قال الله عن قوم عاد: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ? تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (وفي واقع البشرية اليوم في سقوط الأُمم والحضارات الممكّنة نجد أن بوادر العذاب والهلكة ما أن تقع حتى يبدأ الصراخ بمعنى هذه الكلمات: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (، حيث يشرع الناس بتعداد جرائم حكامهم، وجرائم المترفين فيهم، فصدور هذه الكلمات دليل على بداية الوهن وسقوط القوى، وهي مبشر لأهل الإيمان أن عوامل الهلكة قد بدأت في النخر حتى يتم القصم والسقوط. والله ? حين يضرب هذه المعاني والأمثال لأُمَّة محمد (وهم يعلمون أن الاستئصال سُنّة قد مضت، وأمّا اليوم فهو التداول والتعاقب؛ إنما يريد منهم أن يعلموا أن المعاني التي حصلت في الأُمم السابقة هي عينها التي ستحدث معهم، لكن على وجه آخر، والسُنَن ستبقى ماضية في إعمال يد الله في إزالة الأُمم وذهابها، فالله الذي أهلك الأُمم السابقة وأزالها من الوجود بالكلية لهو قادر جلَّ في علاه على إذهاب قوتها مع بقاء هياكلها وأبدانها، ومن تفكر في سورة الفيل: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (وهي تضرب للمؤمنين وللكافرين على السواء لإظهار قدرة الله تعالى في العصاة والظالمين ليعلم أن مجري هذا الفعل على أصحاب الفيل قادر على أن يجري ما هو أدنى منه على كل جيش ظالم، فمعاني الفعل الرباني في حادثة الفيل هي عين المعنى في حماية رسوله (في الهجرة، وهي عين المعنى في هزيمة قريش في بدر