والمرء حين يقرأ قصص التاريخ في هذا الباب ليعجب مما يقع للأُمم من الاستسلام لأقدارهم من عذاب أعدائهم عليهم، حتى إنهم ليرفضون الخروج والهرب، ومن قرأ حال المسلمين في بغداد عند دخول التتار، واستسلامهم لسلاح وقتل أعدائهم دون محاولة فرار ليعلم حقيقة هذه الآية، ولعل تصوير ابن الأثير لبعض الحوادث ليكشف للمرء ذلك جليًا.
وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (؛ تَقَدَّم قول قَتادة - رحمه الله - أنه على معنى الاستهزاء بهم، وقال غيره: لعلكم تفقهون، وفقههم يوم العذاب لا يرد البأس والسُنّة.
وهذه الآيات من قوله: (وَكَمْ قَصَمْنَا (لتدل أن العقل البشري في الاعتبار ليس تراكميًا، واللاحق لا يستفيد من السابق، فقول زنادقة العصر بتطور الإنسان في معارفه الاجتماعية والقيمية قول كاذب، فهم وإن أرادوا به الرد على أحكام الشريعة التي نزل بها القرآن، وادعاءهم أن الزمان قد تجاوزها، وأن الإنسان ترقى في تشريعاته وقيمه، إلا أن واقعهم يكذبهم، فالفحشاء البشرية التي مارستها الأُمم السابقة هي عينها التي يمارسها المعاصرون، وما من شريعةٍ يزعمون أنها إنتاجٌ حضاريٌّ معاصر إلا وقد اقترفتها أُمَّةٌ سابقة، وحذّر منها الأنبياء وأتباعهم، ولذلك قال ?: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (، فالبشرية لا تتطور في معارفها الاجتماعية والقيمية، ولذلك يعودون إلى الشرك في كل طور، والعالم يرى هذا الإنسان الذي سخر سُنَن الوجود التكوينية لا يهتدي وهو يعبد البقرة، ويسأل الأموات، ويستغيث بالصليب، ويعلق حدوة الحصان أمام بيته ليرد العين عنه، وكل تشريعاتهم هي انتكاسات خلقية، بل قد عادوا في العلاقات الاجتماعية والأسرية إلى أدنى من مراتب الخنازير، فاستحلوا الزنا واللواط، وشرّعوا الربا وهي أعظم المعاصي الاجتماعية والاقتصادية، وهم مع ذلك كله يزعمون أنهم يبنون حضارة الإنسان الراقي الرشيد.
وقوله تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (، هذه مقالة أهل القرى حين نزول العذاب، كما قال سبحانه في الأعراف: (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ? فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَاسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (. والقرآن بَيّن أن هذه توبةً كاذبة، وذلك بما وقع من فرعون وقومه فإنهم قالوا لموسى (: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ? فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (وهذا يقع من الناس وأفرادهم، فإنك تجدهم في لحظة الابتلاء يعاهدون الله على التقوى والصلاح، فإن ذهب البلاء عادوا إلى ما كانوا فيه من الغفلة والمعصية، إذ هذا شأن الإنسان ونسيانه. وفي هذه الآية دليلٌ على أن باطن الإنسان يعلم الحق ولكنه يحيد عنه بسبب الغفلة والغرور، والله ? يقيم في النفس البشرية معالم الحق حتى يكون