والرياش التي ورثها الصحابة ? ما يُحيّر العقول، فقد أهلكهم الله تعالى في ثروتهم كما قال عن قارون: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ (وقال: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (، وهذا من أشدِّ العذاب، وهو أن يؤخذ المرء على هذا الحال من النعمة والثراء.
ثمّ إن هذا هو ما أصاب هذه الأُمَّة عند غلبة الأعداء عليها، فإنهم دخلوا عليهم وهم في ثرائهم كما وقع من سقوط الأندلس، وكما كان حال القرى في فلسطين عند دخول اليهود عليها، فالأُمم لا تسقط بزوال الترف عنها، وإنما تسقط وهي متلبسة فيه لاهية عما يحدث لها.
ولعلَّ هذا الأمر هو ما يغريهم بالبقاء، فإن مثل هؤلاء الغافلين يعميهم حبّ أموالهم ورياشهم عن مفارقتها حتى وهم يرون جيوش أعدائهم تحل في ديارهم، وتنتهك أعراضهم، وهذا المعنى هو الذي جعل بعض أهل العلم من المفسرين يقول عن قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (إنما هو استهزاء بهم، وهو مروي عن قَتادة - رحمه الله - تعالى.
وقوله تعالى: (مَسَاكِنَكُمْ (هو دليل على بقاء المساكن عند دمار هذه القرى كما قال تعالى: (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (، فأشار سبحانه إلى مساكنهم التي يراها اللاحق كما قال سبحانه: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ? وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (.
وهذه الآيات الدالة على خراب القرى، مع آية التعاقب في قوله: (وَأَنْشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (يدلان على أن الأُمم الوارثة لها أماكن جغرافية أخرى غير السابقة، فهي في حال صعودها يكون لها وجودٌ جغرافيٌّ آخر خارج هذه الأُمَّة الهاوية، وهذا واقع التاريخ، فإن تداول مراكز القوى في التاريخ البشري للأُمَّة واضحة فيه، ولعل من غرائب هذا الأمر أن الأُمم الصاعدة إنما تنشأ في الهوامش والأطراف حتى يحصل لها المنعة لحظة التكوّن الأولى، وهي التي تمنع سحقها وإزالتها.
وقوله تعالى: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا (ليس أمرًا قَدَريًا قاهرًا، بل هو أمر سُنَني كما أشير لذلك، فإنهم مع رؤيتهم للعذاب واستجابتهم الأولى في الهروب إلا أنهم بعد ذلك لا يلبثون أن يرجعوا إلى مساكنهم وترفهم سعارًا منهم، ونهمة في حب اللهو والترف، وحينها يقع العذاب.