آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (. والأُمَّة مُجمعةٌ على عدم صحة إيمان فرعون إلا ما زعمه ابن عربي المكي الطائي في كتابه [الفتوحات المكيّة] حين نصر القول بإيمانه المنجي له في الآخرة، وخيرُ من فصّل في الرد عليه الشيخ الألوسي في تفسيره، مع أن الشيخ الألوسي - رحمه الله - مُعَظّم لابن عربي وينكر على من كفره.
وهذا الحكم استثنى الله عنه قوم يونس (فقال: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (، وهذا الاستثناء له سببه، والعلماء لهم مقالات في هذه الآية حتى قال بعضهم إن العذاب الذي كشف عنهم الدنيوي والآخروي لقوله تعالى في الصافات: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ? فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (، فجعل في الآيتين - من سورة يونس والصافات - وصف الإيمان لهم وهو مانع من العذاب الأخروي يقينًا.
ويبقى السؤال: لِمَ استثناهم الله تعالى؟ والذي أظنه أن هذا لأمرين:
أولهما: عدم بلوغ الحجة مداها فيهم، فقد خرج يونس (من بينهم خروجًا مبكرًا عوتب فيه كما قال تعالى في هذه السورة: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (وقوله تعالى: (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (وقوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ? إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (الآيات إلى قوله تعالى: (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (والله ? يحب العذر.
فإن قال سائل: فإن كان الأمر كذلك فَلِمَ يقع عليهم العذاب ولم تبلغ الحجة مداها؟
فهَا هُنا يأتي الأمر الثاني: وهو أن العذاب لم تأتِ معالمه، ولم يروه، بل الذي وقع أنهم لَمّا فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف الله في قلوبهم التوبة كما قال ذلك قَتادة - رحمه الله - تعالى. وهي دليل أن الإصلاح قبل القصم يحقق المراد، ويمنع الهلاك، ويحصل به العصمة من الهلاك.
وقوله تعالى: (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ (دليلٌ لِمَا ذكرنا من أن القرى تهلك بسبب الترف، وأنه هو باطن الظلم وقرينه، وهي دليل على أن الترف يكون حاضرًا عند نزول العذاب، ولا يسلب قبله، وهذا هو حال تاريخ الأٌمَم الذاهبة، فإن من آيات الله تعالى في إهلاكها أن يقع عليها العذاب وهي في حال الترف، فلما أهلك الله كسرى ذكر الرواة من أمر الذهب والجواهر والمتاع الذي حمله الشيء الكثير، وذكروا من أمر القصور والبذخ