فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 198

وقوله تعالى: (قَصَمْنَا (هو بيان لضرب وإذهاب عامل القوة، والعمود القائم لها وبها، فإن الله ? يضرب الأُمم في عمودها الفقري القائم بها، سواء كان من قوة أو من ثراء، وهما العماد المادي للحضارات والأُمم، فيبدأ الوهن فيضرب أسباب القوّة، ويبدأ الترف ينشر الغفلة في أبنائها، ويحطم إرادة الغزو والدفع، فيقع المرض الذي يؤدي إلى موتها ثم توزيع بقاياها في الأُمم التالية. وهذا «القصم» الإلهي لا يحدث إلا من خلال العوامل السُنَنيّة في التوهين والإضعاف، لكنه يبدو لأهله على صورة الفجأة للغفلة الحاكمة عليهم كما قال تعالى عن سليمان (: (فَلَمَّا خَرَّ (فكان سقوطه على وجه الفجأة، وهي المعنى الذي تحمله كلمة: (خَرَّ (مع أن مقدمات الفعل قد أتى عليها زمن ودابة الأرض تأكل العصا.

وهذه الآية في هذه السورة عقب ذكر سُنَن الأنبياء مع أقوامهم إنما لتبيّن أن سُنّة التعاقب بين الأُمم أمر مطرد سواء كان الوارث خيرًا أم غير ذلك، فصعود الأُمم ثم زوالها جارٍ لا يتخلف، والناس في غفلة عنه ولا تقع لهم الصحوة إلا عند حلول الهلكة والزوال.

قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (فعند حدوث الغرق، وتبدأ أصوات الانهيار تعلو يبدأ أهلها بالرحيل عنها، والهروب إلى غيرها، وهو هروب متأخر لا يحصل به النجاة أبدًا، بل يبدأ الناس فيها بذوق الجوع والخوف كما قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (.

وقوله تعالى: (أَحَسُّوا بَاسَنَا (أي رأوا معالمه الأولى، وهي دليل على أن إيمان الناس عند حدوث آيات العذاب لا ينفع، وهذا في آيات متعددة منها قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ? فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون (وقوله تعالى: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ (وقوله تعالى: (يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (وهو دليل للحديث في عدم قبول إيمان الناس عند ظهور علامات الساعة الكبرى بدءًا بطلوع الشمس من مغربها. وهو عين إيمان فرعون لَمّا عاين العذاب فلم يقبل منه فقال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ? فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت