فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 198

تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ (، ولذلك لا تجد ذكرًا للعقل مفردًا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، وكل حديث ذكر في العقل فهو باطل.

أمّا نسبة التعقّل والفقه إلى القلب؛ ذلك لأن الاختيار بين الحق والباطل لا يكون بسبب اختيار العقل إنما يكون بسبب الهدى أو الهوى، ولو جهل المرء الحق ولم يعلمه لغيابه عنه لكان معذورًا عند الله، ولكن لَمّا كان سبب اختيار الحق هو معرفته ثم اتباعه، وسبب اختيار الباطل هو معرفة الحق ثم اجتنابه كان الحكم منسوبًا إلى مصدره، وهو القلب لأنه محط الإرادات، ولذلك قال سبحانه: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (، وبهذا تعلم جهالة الزنادقة في هذه المسألة وكيف اتهموا القرآن بمقالة السوء والكذب، فسبحانه وتعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (.

قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ? فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ? وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ? قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ? فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (. [1]

مسيرة التاريخ البشري حالة تداول وتعاقب، فتقوم الأُمم والقرى على أعقاب أُمم وقرى أخرى، وتكون الذاهبة قد اقترفت الظلم فحقَّ عليها الزوال، لأنه أعظم ما يوهن وجودها ويدمّر مقومات حياتها، فإمّا أن يقع التنازع فيما بينهم فيهلك بعضهم بعضًا، وإمّا أن توهى قوتها فتغرى بها الأُمم الأخرى فتجتثها، وهذه المسيرة كما تعلمنا الآية تبين منع الفراغ، فإن الحضارات والأُمم لا تزول حتى يرثها أخرى، ولذلك لا ينزل الوهن في أُمَّة إلا كان يقابلها صعود أخرى لتحل محلها في ملء ما تنقص عنه الأُمَّة الحاضرة.

والقرآن في هذه الآية يُبَيّن لنا أن يد الله تعالى هي التي تحرك التاريخ الإنساني، فهو سبحانه الذي يقصم القرى، وهو الذي ينشئها، فحين تغرى أُمَّةٌ بأُمَّة فإنه هو الذي يجري هذا كما قال سبحانه: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ (وقال سبحانه: (وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ (، وهذا الجريان القدري بفعل الإرادة الإلهية لا يكون إلا بسبب عمل الأُمم وذلك في قوله تعالى: (كَانَتْ ظَالِمَةً (، وذكر الظلم هنا لأنه أعظم ما يعجل به العقوبة، وهو أقوى الأسباب في هلاك الأُمم وزوالها.

(1) الأنبياء: 11 - 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت