فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 198

والسُنّة مدحٌ للعقل من حيث هو، إنما المدح للفعل؛ أي التعقّل، ومادته: «عقل» إنما تعني في الأصل المنع، ولذلك فالتعقّل هو إعمال المعاني الفطرية لمنع الزلل في السلوك، فكما أن المصيب في حكمه عاقل، فكذلك السليم في سلوكه، ولذلك يقول العوام عن صاحب الخُلق:"عاقل"، وهي تسمية صحيحة. ولعله من نافلة القول إن الشرع لم يأت بأمر على خلاف يقينيات العقول، لكنه أتى بما لا تدركه العقول؛ أي كنهه، ووجودها في القرآن إنما هو لمعانٍ أعظمها الابتلاء والامتحان، ومن المعلوم أن شاهد هذا قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (. أمّا القول إن في البيان القرآني ما لا يتطابق مع مقررات العقل فهو قول باطل، وهو أساس الرد على الله والاستدارك عليه، ومنبت البدع والضلال، والرد عليه موجود في كتب أهل الإسلام ومؤلفاتهم فرحمهم الله ورضي عنهم.

والتعقّل يكون لاستخراج النتائج كما يكون لإدراك المعنى، وليس واحد منهما إقرارًا لمعنى سابق في النفس، إنما الأول إعمال للموازين والثاني إعمال للآلة، فالأول كما في هذه الآية والثاني كما في قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (وهو معنى قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه لِيُبَيِّن لَهُمْ (، ولذلك فليس العقل علمًا، وجعل العقل مقابل النص هو خطأ على هذا المعنى، فلا مقابلة بينهما، أمّا المقررات الفِطريّة فهي وضع إلهي في هذه الآلة وهذه الغريزة، ولذلك قال تعالى: (أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا (مع قوله (:(( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ) )فدلَّ أن الفِطرة أصل الخلقة، وهي الاستواء، لكنها ليست علمًا.

وما يسميه أهل الأصول بالعقل شرطًا للتكليف فمعناه سلامة هذه الآلة وهذه الغريزة، ووجود الجنون مانع من عملها والاستفادة منها كغياب البصر عن العين، وغياب السمع عن الأذن، لا أن السمع والبصر علم، بل هما آلتان للتمييز والإدراك.

والقرآن الكريم لا يذُمّ غياب الآلة بغير تعدٍ بل يعذر المسلوب فقال ?: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (وكذلك المجنون لا يذم بغياب آلة الإدراك إلا بالتعدي، أما المذموم فهو تعطيل الآلة أو إفسادها كما قال تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (وقال ?: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا (وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (وقال ?: (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ ? وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت